ما رأيك بخدمة المصارف الاسلامية

  • جيدة
  • متوسطة
  • سيئة

اشترك لتصلك تحديثات الموقع على بريدك الإلكتروني

اشترك لتصلك اخر التحديثات على هاتفك الجوال

الرجاء إدخال الرقم مسبوقاً برمز الدولة

الضوابط الشرعية لأعمال المصارف الإسلامية

الخميس 15 ذو القعدة 1431 / 21 تشرين أول 2010

الضوابط الشرعية لأعمال المصارف الإسلامية

 

الدكتور الشيخ علاء الدين زعتري

أمين الفتوىـ وزارة الأوقاف السورية

www.alzatari.net

 

مقدمة:

في الوقت الذي يتعرض فيه الإسلام لهجمة شرسة في الداخل والخارج بدعوى أنه دين يحض اتباعه على العنف؛ تنمو الصيرفة الإسلامية باضطراد في كل العالم.

الأمر الذي يشعرنا بوجود ازدواجية في التعامل مع الإسلام.

فمن جهة يتعرض المسلمون في الغرب للاضطهاد بسبب انتمائهم العقدي، ومن الجهة الأخرى تتسابق البنوك العالمية إلى اعتماد صيغة التمويل الإسلامية باعتبارها من أدوات الجذب الاستثماري الجيدة.

فكيف يستقيم رفض الغرب للإسلام والتخطيط لمحاربته بشتى الطرق بينما يقبل على التجربة الإسلامية في المصارف!! وهل التهافت على الصيرفة الإسلامية مبعثه القناعة بأضرار التعاملات الربوية على الافراد والمجتمع أم مجرد تقليعة أو مطية لاستقطاب استثمارات المسلمين؟!

وبلغة الأرقام والإحصاءات تشير أحد التقارير الاقتصادية ([1]) أن 80% من المتعاملين في الصيرفة الإسلامية حول العالم هم من غير المسلمين، ولا بد من التوقف كثيرا عند دلالات هذا الرقم.

وأعتقد أن الصيرفة الإسلامية جاءت لتلبي رغبات المسلمين في تعامل بنكي آمن من الربا وأخذت في الانتشار والتوسع السريع.

وبات من المعروف أن أهم استخدامات الأموال في البنوك التجارية التقليدية هي القروض والسلفيات التي يقدمها البنك لعملائه مقابل فائدة محددة مقدماً.

أما المصارف الإسلامية فيتم استخدام الأموال فيها عن طريق صيغ التمويل المتعددة والمشروعة، والتي تناسب كافة الأنشطة؛ (تجارية، صناعية، زراعية، عقارية، مهنية، حرفية).

والمرء يشعر بالفخر حينما يجد منتجاً إسلامياً يتهافت عليه كل العالم، ولكن للأسف ـ في بعض الأحيان ـ قد لا نحس بقيمة منتجاتنا المصرفية الإسلامية في داخل محيطنا، فيكون حالنا حينئذ مثل الذي يملك مجموعة كهربائية قادرة على إنارة حي بأكمله إن لم نقل العالم بأسره، ومع ذلك يعيش في الظلام؛ لأنه يستنكف أن يضغط على زر التشغيل، أولئك الذين يخجلون من كونهم مسلمين، أما آن لهم أن يرفعوا رؤوسهم؟!.

الأصل الفقهي لأعمال المصارف الإسلامية 

الأصل الفقهي في المعاملات: الحِلُّ.

والشريعة لم تحصر التعاقد في موضوعات يُمنَع تجاوزها.

كل ما قيَّدته الشريعة يندرج تحت منع الضرر والإضرار، وكفِّ الظلم، وقطع الاستغلال.

الضوابط الشرعية

للعمل المصرفي الإسلامي

ضابط العقيدة

لما كان الإيمان لا يكون بمجرد نطق باللسان, وإنما هو عقيدة تملأ القلب وتعمره, فتصدر عنها آثارها كما تصدر عن الشمس أشعتها.

ومن أَجَلِّ ثمار العقيدة السليمة والإيمان الكامل: السلوك الخير للإنسان، في مختلف شؤونه الحياتية.

ولعل من آثار الإيمان ما يلي: 

1- أنه يحرر النفس من سيطرة الغير؛ أشخاصاً أو ماديات.

2- الاعتقاد بأن الله هو الرازق، وأن الرزق لا يعجل به حرص حريص, ولا يرده كراهية كاره.

3- الإيمان يرفع من قوى الإنسان المعنوية، فيسمو عن الماديات, ويرتفع عن الشهوات, ويستكبر عن لذائذ الدنيا, فيرى أن الخير والسعادة في النـزاهة والشرف, وتحقيق القيم الصالحة, ومِن ثَمَّ يتجه الإنسان تلقائياً لخير نفسه, ولخير أمته, وخير الناس جميعاً.

4- الحياة الطيبة يعجل الله بها للمؤمنين في الدنيا قبل الآخرة، قال تعالى: ]وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ[ [النحل: آية 30]، وقال تعالى: ]مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ[ [النحل: 97]، وقال سبحانه: ]وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ[ [الأعراف: 96].

5  -  إن الخالق والموجد والمالك الأصيل لكل النعم والطيبات ولكل شيء في السماوات والأرض، هو الله قال تعالى: ]وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[ [المائدة: 17]، وقال تعالى: ]تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ[ [الملك: 1ـ 2]، وقد سخر الكون لخدمة الإنسان, ووهبه من الوسائل والأدوات ما يعينه على الانتفاع بما فيه, واكتشاف ما فيه من قوى وطاقات, واستغلال ذلك كله لنفع المخلوقات.

6-  لقد خلق الله البشر واستعمرهم في الأرض، وأن الأرض بما فيها مسخرة لهم مذللة بإذن ربهم, بعد الأخذ بالأسباب المخلوقة لهم, ومن ثَمَّ فإن حقوق البشر وواجباتهم حددها الله سبحانه عندما طلب منهم إعمارها, قال تعالى: ]هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا[[هود: 61].

ضوابط القواعد الفقهية الكلية

القاعدة الفقهية: هي الأمر الكلي المنطبق علي جميع جزئياته, بمعنى أن يندرج تحت هذا الأمر الكلي مجموعة من الأحكام المتشابهة, التي يمكن إرجاعها إلى أصل واحد.

وقد رصد الفقهاء عدداً كبيراً من القواعد الكلية وفيما يلي بيان أهم تلك القواعد:

1 -  قاعدة الأمور بمقاصدها:

وبعبارة أخرى تقاس الأعمال والأقوال بمقياس النوايا الحسنة أو السيئة للفاعل أو القائل.

وتعني أن كل قول أو عمل إنما هو بالمقصد والهدف الذي يريد صاحبه أن يحققه, أو بالغاية التي يريد الوصول إليها من وراء قوله أو عمله, فإذا تكلم أو تحرك, فالعبرة من كلامه أو حركته بما يقصد أو يريد,

فالعقود إذا قصد من إبرامها قصداً مشروعاً كان العقد صحيحاً.

أما إذا كان القصد من إبرامها غير مشروع كان العقد باطلاً.

2 -  قاعدة التيسير ورفع الحرج :

وقد عبر العلماء عن هذه القاعدة بقولهم: (المشقة تجب التيسير).

والمراد من التيسير: التسهيل بحيث تكون الأحكام الشرعية في مقدور المكلف, يقوم بها من غير عسر أو حرج أي بدون مشقة.

والمراد من الحرج: الضيق, فإذا صار المؤمن في حالة لا يستطيع معها القيام بالعبادة على النحو المعتاد فإن الله سبحانه وتعالى يرخص له في أدائها حسب إستطاعته, وفي هذا رفع للحرج عن العباد.

وكلمة المشقة المقصودة هي: تلك التي لا تكون معتادة للفرد, وتخرج عن حدود الاستطاعة, يقول الله عزَّ وجلَّ: ]لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا[ [البقرة: 286]، ويقول سبحانه:  ]وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ[ [الحج: 78]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الدين يسر ولن يُشَادَّ الدين أحدٌ إلا غَلَبَه". 

وفي مجال المعاملات نجد القاعدة مطردة حيث جعل الله سبحانه باب التعاقد مفتوحاً أمام العباد وجعل الأصل فيها الإباحة, ولم يضع من القيود إلا تلك التي تمنع الظلم أو تحر م أكل أموال الناس بالباطل .

3 -  قاعدة الضرر يزال :

ومعناها أن الله عز وجل قد شرع لعباده الأحكام التي تصلح أحوالهم في الدنيا والآخرة, وتزيل عنهم كل ما يضر به أو يؤذيهم, فإذا وقع الإنسان في حالة من الضرر الشديد, جاز له على سبيل التخلص من الضرر أن يلجأ إلى الوسيلة التي يتفادى بها ما جلبه من ضرر .

وأصل القاعدة ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ضرر ولا ضرار".

ومعنى (لا ضرر) أي: لا يضر الإنسان أخاه فينقص شيئاً من حقه.

ومعنى (لا ضرار) أي: لا يجاريه على إضراره بإدخال الضرر عليه.

ويمكن القول: الضرر هو الابتداء بالفعل, والضرار هو الجزاء عليه.

وقد تفرعت عن هذه القاعدة قواعد كلية أخرى، منها:

(1)  الضرورات تبيح المحظورات: وتطبيقاً لها جاز للمضطر أن يستعمل الحرام, وجاز رفع العقاب عن المكره, وجاز للمعتدي عليه أن يدافع عن نفسه.

(2)  الضرورة تُقَدَّر بقَدْرِها: فلا يجوز للمضطر أن يتناول من المحرمات إلا بالقدر اللازم لإنقاذ نفسه من الهلاك, كما لا يجوز للمعتدي عليه أن يتجاوز القدر اللازم لرد العدوان.

(3)  الضرر لا يزال بالضرر: لأن إزالة الضرر بمثله يعتبر إيقاعاً بالضرر على الغير، وهو في الأصل غير جائز.

4 -  قاعدة اليقين لا يزول بالشك :

ومعناها: إبقاء الحكم على ما كان عليه حتى يقوم الدليل علي تقييده أو انتفائه, فالحال القائم يقين مبني على دليل، والحال المطلوب الانتقال إليه يحتاج إلى دليل أقوى.

وأساس القاعدة ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري قال:  قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "إذا شَكَّ أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلي, ثلاثاً أم أربعاً؟, فليطرح الشك, وليبن علي ما استيقن".

ويتفرع عن هذه القاعدة قواعد فرعية منها:

(1)  الأصل بقاء ما كان على ما كان: فمَن تَيَقَّن الحلال وشَكَّ في الحرام فهو في الحلال, ومَن تَيَقَّن الحرام وشكَّ في الحلال فهو في الحرام.

(2)  الأصل براءة الذمة: فمَن ادعي أنه دائن لشخص بمبلغ معين, فلا عبرة من الادعاء المجرد، وإنما لا بد من الإثبات, فإذا لم يُقَدِّم الأدلة المثبِتَة للدين, فالأصل براءة ذمة المدعى عليه.

(3)  الأصل في الأشياء الإباحة حتى يقوم الدليل على التحريم.

5 -  قاعدة العادة مُحْكَمَة :

والعادة: هي ما اعتاده الناس وجرى عليه العرف بينهم في مكان معين وزمان معين لفعل معين.

وتحكيم العادة لا يكون إلا إذا انعدم وجود مصدر أقوى منه من ناحية التشريع حيث لا يوجد نص من قرآن أو من سنة ولا يوجد إجماع.

وقد أخذ الفقهاء دليل تحكيم العرف ما رواه أحمد من قول ابن مسعود:  "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن"، وقد اشترط الفقهاء له شروطاً، منها:

                      أ‌-                  أن يكون العرف شائعاً معتاداً وغالباً أي ليس نادراً.

                   ب‌-                ألا يكون مخالفاً لما اشترطه أحد المتعاقدين عند التعاقد.

                   ت‌-                أن يكون العرف سابقاً أو مقارناً لزمن التعاقد.

                   ث‌-                ألا يخالف نصاً من الكتاب والسنة، أو حكماً فيه إجماع.

وعلى ذلك فإن العرف قسمان:

القسم الأول: عرف فاسد لا يؤخذ به.

والقسم الثاني: عرف صحيح يؤخذ به، ويعتبر الأخذ به أخذا  بأصل من أصول الشرع.

وقد قال العلماء في هذا العرف الصحيح: أن الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي. 

6 -  قاعدة الغُنْم بالغُرْم:

ويقصد بها: أن الحق في الحصول على النفع أو الكسب (العائد أو الربح) يكون بقدر تَحَمُّل المشقة أو التكاليف (المصروفات أو الخسائر أو المخاطر).

وبعبارة أخرى فإن الحق في الربح يكون بقدر الاستعداد لتحمل الخسارة.

وهذه القاعدة تمثل أساساً فكرياً قوياً لكل المعاملات التي تقوم على المشاركات والمعاوضات, حيث يكون لكل طرف فيها حقوقاً تقابل أو تعادل ما عليه من التزامات.

على أن الالتزامات تكون على ثلاثة أنواع هي:

1)                التزام بمال.

2)                أو التزام بعمل.

3)                أو التزام بضمان.

وهذه هي الأسباب الثلاثة التي تسبب لصاحبها الحق في الحصول على الربح أو الغنم علي ما اتفق عليه العلماء.

ومن ثَمَّ فإن لهذه القاعدة أهمية كبيرة في المعاملات المصرفية الإسلامية, حيث تؤثر في أمرين أحدهما:

أن يحصل المصرف على ربح أو عائد أو عوض من حيث الأصل.

وثانيهما: تحديد النسبة أو المقدار أو القيمة التي يحصل عليها.

7 -  قاعدة الخراج بالضمان :

ويقصد بها: أن مَن ضَمِن أصلَ شيء جاز له أن يحصل على ما تولد عنه من عائد.

فبضمان أصل المال, يكون الخراج (أي ما خرج منه) المتولد عنه جائز الانتفاع لِمَن ضمن؛ لأنه يكون ملزماً باستكمال النقصان المحتمل الحدوث - إن حدث - وجبر الخسارة إن وقعت.

ولهذه القاعدة علاقة بالقاعدة السابقة, لأنها قد تدخل تحتها من حيث أن الخراج (غُنْم) والضمان (غُرْم).

ولا يخفي أن لهذه القاعدة أثر كبير في الأعمال المالية والمصرفية حيث تؤثر في عملية توزيع النتائج المالية في المصارف الإسلامية.

ضوابط الأحكام الشرعية

يقصد بالأحكام الشرعية: خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بأداء فعل ما أو الانتهاء عنه، أو التخيير بين هذا وذاك.

ومن ثَمَّ كانت الأحكام الشرعية التكليفية خمسة أحكام هي:  الواجب, والمندوب, والمباح, والمكروه, والحرام.

وفيما يلي تعريف موجز بكل منها:

(1)  الواجب:

هو: الأمر الذي طلبه الشارع على وجه اللزوم فعله, بحيث يأثم تاركه.

 (2)  المندوب:

هو: ما طلب الشارع فعله طلباً غير لازم.

أو هو ما يثاب فاعله, ولا يعاقب تاركه.

أو هو الراجح فعله مع جواز تركه.

ويسمى (النافلة), أو (السنة), أو (التطوع), أو (المستحب).

 (3)  المباح:

هو: تلك الأمور التي تركها الشارع الحكيم دون أمر أو نهي, فالإنسان فيها مُخَيَّر بين الفعل أو الترك.

وتثبت الإباحة بأحد أمور ثلاثة:

                                                                    أ‌-                     إما بنفي الإثم.

                                                                 ب‌-                   أو بعدم النص على التحريم.

                                                                 ت‌-                   أو بالنص على الحل.

وقد جعل الله عزَّ وجلَّ نطاق الأفعال المباحة متسعاً؛ تيسيراً على البشر.

والأمور المباحة لا ثواب فيها على الفعل, ولا إثم فيها على الترك, ويكون لإعمال النية شأن في تحصيل الثواب في الأعمال المباحة.

(4)  المكروه:

هو: تلك الأمور التي طلب الشارع الحكيم الكف عنها طلباً غير لازم؛ بأن كان منهياً عنها, واقترن النهي بما يدل على أنها لم يقصد به التحريم.

ومِن ثَمَّ يكون ترك هذا الأمر مستحباً مثاباً عليه, وإن تم الفعل فلا إثم عليه.

(5)  الحرام:

هو: ما طلب الشارع الكف عن فعله على وجه الحتم واللزوم, سواء كان الدليل الذي أوجب اللزوم قطعياً أو ظنياً.

والحرام هو أمر يكون ضاراً ضرراً لا شك فيه, وينقسم إلى نوعين:

المحرم لذاته: وهو ما يكون ضرره ذاتياً، مثل: أكل الميتة، وشرب الخمر، وفعل الزنا وارتكاب السرقة وأكل الربا وغيرها مما يمس الضروريات الخمس.

المحرم لغيره: وهو الذي لا يكون النهي عنه لا لذاته، ولكن لأنه يفضي إلى محرم ذاتي؛ كالاستقراض بفائدة لأنه يؤدي إلي الربا الذي هو محرم لذاته.

الضوابط للمؤسسات كما هي للأفراد:

إن آثار الضوابط المذكورة على أعمال المؤسسات المصرفية كبيرة, حيث تكون كل معاملاتها في نطاق هذه الضوابط, أي في إطار المشروعية الإسلامية ويخضع لها جميع الأنشطة والأعمال كما تخضع لها المقاصد والأهداف والغايات, والسياسات والنظم والإجراءات.

لذلك يمكن أن نحدد أهم تلك الآثار فيما يلي:

(1)  تأثير في صياغة الأهداف والمقاصد والأولويات :

حيث تصاغ بالشكل الذي لا يتعارض مع الضوابط الشرعية, ويحقق الفهم الكامل للأولويات الإسلامية للأمة دون التضحية بمصالح الأفراد, وهي موازنة تقوم على فهم مراتب المصلحة المعتبرة شرعاً (من ضروريات وحاجيات وتحسينات).

(2)  تأثير في الإدارة الكلية لموارد المؤسسة المصرفية:

بحيث تحقق أفضل النتائج من حيث حسن استغلال للموارد البشرية والمادية (مالية أو غير مالية), فتستخدم من أساليب الإدارة والقيادة ما لا يتعارض مع الضوابط الإسلامية سواء تعلق ذلك بقواعد إجارة الأفراد, وتوظيفهم والتعامل معهم، وتحفزهم وإثابتهم وعقوبتهم وغير ذلك من سياسات الموارد البشرية, فتظهر المشاركة الإدارية, والعدالة, وتكافؤ الفرص, والتنمية المعرفية والمهارية, والمبادرات الذاتية, والرقابة الذاتية, والإنتماء للمجتمع والاعتزاز بالوطن, مما يجعل روح التنظيم مشبعة بجو من التضامن والتكاتف والحرص المشترك علي النجاح وتلافي السلبيات.

(3)  تأثير في نظم وإجراءات العمل والعقود والنماذج:

حيث تصاغ جميعها في ضوء الأساس الفقهي والفني المنضبط والخادم للأهداف، وفي إطار من العقود الشرعية التي تحكم المعاملات المصرفية.

وهنا يجدر القول أنه لا يجب أن توجد معاملة في المصرف الإسلامي بغير تكييف شرعي يحكمها, سواء كان ذلك في إطار عقد شرعي ورد في المراجع الفقهية (من العقود المسماة) أو عقد تم تخريجه في إطار القواعد العامة الشرعية للعقود.

(4)  تأثير في مجالات التوظيف والخدمات:

إذ يجب ألا تكون أنشطة التوظيف والاستثمار والخدمات من بين المجالات المحرمة أو المكروهة, وإنما تكون في نطاق المجالات المباحة شرعاً أو المندوبة أو الواجبة.

ويكون التنويع بينها التزاماً ينبني على الاستطاعة.

ومن الأمثلة على المجالات والسلع والخدمات المحرمة والمكروهة:

1  -  تجارة وصناعة الخمور والمسكرات والمخدرات وكل ما يأخذ حكمها, ويدخل في دائرة نشاطها من خدمات نقل وتوزيع وتقديم.

2  -  تربية وتجارة الخنازير والصناعات والخدمات المرتبطة بلحومها أو مكوناتها.

3  -  نوادي القمار والميسر وما يشبهها ويأخذ حكمها.

4  -  النوادي الليلية والمراقص.

5  -  المحلات والنوادي المخصصة للهو غير المباح المرتبط بمحرمات ومفاسد وكلاهما قرين الآخر لا ينفك عنه.

(5) تأثير في الأساليب والوسائل المتبعة في التوظيف والخدمات:

يجب ألا  تكون من بين الأساليب والوسائل المحرمة أو المكروهة, والتي نذكر من أمثلتها :

1  -  التعامل بالفوائد الثابتة في نشاط الإيداعات والقروض فهو من الربا المحرم.

2  -  التعامل بالبيوع المنهي عنها شرعاً.

3  -  المعاملات التي يصاحبها الغرر والجهالة.

4  -  المعاملات التي تؤدي إلى احتكار السلع وحبسها عن التداول.

5  -  المعاملات التي يكتنفها غش وخداع وكذب وتدليس ورشوة.

6  -  بخس الأثمان أو التلاعب فيها.

7  -  التلاعب في الموازين والمكاييل.

(6)  تأثير في كيفية توزيع النتائج:

يتم توزيع نتائج النشاط في المؤسسة المصرفية الإسلامية في إطار العدالة بين الأطراف التي ساهمت في تحقيقها على أساس قاعدتي: (الغُنْم بالغُرم) و(الخراج بالضمان)، وفي إطار العلاقات الشرعية بين البنك والمودعين بغرض الاستثمار, وكذا بينه وبين الحاصلين علي تمويل بصيغ مختلفة.

(7)  تأثير في التزام المؤسسة المصرفية الإسلامية بالمسئولية الاجتماعية والأخلاقية:

يلتزم المصرف الإسلامي بأداء الزكاة المفروضة على المال النامي في كل عام مرة، والمستحقة شرعاً على مُلاَّك هذا المال (مساهمين أو مودعين) والذين يُفَوِّضُون البنك أو يأذنون له بأداء ذلك نيابة عنهم.

وتصرف الزكاة في مصارفها الشرعية, وكذلك الصدقات والتبرعات, وما قد يقرره ولي الأمر من إنفاق إضافي لصالح المجتمع المسلم.

ضوابط المقاصد الشرعية

مقاصد الشرع من الخلق خمسة مقاصد, هي أن يحفظ عليهم دينهم، وأنفسهم, وعقلهم، ونسلهم، ومالهم.

فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول فهو مصلحة, وكل ما يفوت هذه الأصول الخمسة فهو مفسدة, ودفعها مصلحة.

وهذه هي المصلحة المعتبرة شرعاً التي تعمل في إطار المحافظة على هذه الأصول الخمسة وصيانتها.

وقد قرر العلماء أن الأحكام الشرعية هي وعاء المصالح الحقيقية, وأن المصلحة المقصودة ليست مرتبة واحدة لكنها على ثلاث مراتب.

المرتبة الأولى:  الضروريات

وهي التي لا تتحقق وجوه المصلحة المذكورة إلا بها.

فالضروري بالنسبة للنفس هو المحافظة على الحياة, والمحافظة على الأطراف, وكل ما لا يمكن أن تقوم الحياة إلا به.

والضروري بالنسبة للمال هو ما لا يمكن المحافظة عليه إلا به.

وكذلك بالنسبة للنسل.

وفي الجملة فإن دفع كل ما يترتب عليه فوات أصل من الأصول الخمسة المذكورة يُعَدُّ ضرورياً, وقد شَدَّد الشارع الإسلامي في حمايته, وأعطاه زيادة من التأكيد, وأنه إذا ترتب حفظ الحياة على فوات أمر محظور أباح الشارع تناول المحظور, بل أوجبه إذا لم يكن فيه اعتداء على أحد, ولذا أوجب على المضطر أن يدفع الفائدة الربوية, تحت قاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات).

المرتبة الثانية: الحاجيات

وهي التي لا يكون الحكم الشرعي فيها لحماية أصل من الأصول الخمسة, بل يقصد منه دفع المشقة أو الحرج أو الاحتياط لهذه الأمور الخمسة, كتحريم بيع الخمر, لكيلا يسهل تناولها, وتحريم الاحتكار, والاحتيال, ومن ذلك إباحة كثير من العقود التي يحتاج إليها الناس, كالمزارعة والمساقاة, والسَّلَم, والمرابحة والتولية .

المرتبة الثالثة: التحسينيات

وهي الأمور التي لا تحقق أصل هذه المصالح, ولا الاحتياط لها, ولكنها ترفع المهابة, وتحفظ الكرامة, وتحمي الأصول الخمسة.

ومن ذلك بالنسبة للنفس حمايتها من الدعاوى الباطلة والسب, وغير ذلك مما لا يمس أصل الحياة, ولا حاجيات من حاجياتها, ولكن يمس كمالها ويشينها, وذلك يلي المرتبتين السابقتين.

ومن ذلك بالنسبة للأمور المالية تحريم التغرير والخداع والنَّصْب؛ فإنه لا يمس المال ذاته, ولكنه يمس إرادةَ التصرف في المال عن بَيِّنَةٍ ومعرفة, وإدراكٍ صحيح لوجوه الكسب والخسارة, فهو لا اعتداء فيه على أصل المال, ولكن الاعتداء على إرادة المتصرف.

وأركَّز على المحافظة على المال:

ويكون ذلك بمنع الاعتداء عليه بالسرقة والغصب ونحوهما.

وتنظيم التعامل بين الناس على أساس العدل والرضا.

وبالعمل على تنمية المال ووضعه في الأيدي التي تصونه وتحفظه، وتقوم على رعايته, فالمال في أيدي الآحاد قوة للأمة كلها.

ولذا وجبت المحافظة عليه بتوزيعه بالقسطاس المستقيم.

وبالمحافظة على إنتاج المنتجين، وتنمية الموارد العامة.

ومنع أن يؤكل المال بين الناس بالباطل وبغير الحق الذي أحله الله تعالى لعباده.

ويدخل في المحافظة على المال كل ما شرع للتعامل بين الناس من بيوع ومشاركات وإجارات وغيرها من العقود التي يكون موضوعها المال.

إشكالية تحتاج إلى حل:

ما سبب استمرار ارتباط المصارف الإسلامية بأسعار الفائدة العالمية؟ وكيف يمكن تخلصها من ذلك؟.

عند تحديد هامش الربح الذي تحسبه وتتقاضاه المصارف الإسلامية في تجرى عمليات تمويل مبنية على صيغ البيوع الآجلة كالمرابحة مثلا، يلاحظ أن هذا الهامش يكون مرتبطاً بسعر الفائدة العالمي صعوداً وهبوطاً.

وللتوضيح فإن هامش الربح الذي تتقاضاه المصارف الإسلامية هو جزء من ثمن بيع آجل صحيح، وهذا لا غبار عليه من الناحية الشرعية.

والاستفسار هو عن طريقة حساب هذا الهامش وسبب ارتباط عملية الحساب بسعر الفائدة السائد في الأسواق العالمية، وعن إمكانية وجود بديل لهذه الطريقة؟.

والواقع أن أسواق السلع والخدمات العالمية اليوم تعمل وفق سعر معياري (استرشادي)، يجرى العمل به وتقاس عليه أسعار الصفقات في كل سوق حسب نوع وجودة المنتج؛ لأن هذا يحقق لهذه الأسواق الاستقرار.

ففي سوق الذهب مثلا يمثل سعر زيورخ معياراً لسوق الذهب.

وفي سوق النفط يقوم سعر برميل نفط برنت في بحر الشمال بهذا الدور.

أما في أسواق التمويل الدولية، فيقوم بهذا الدور سعر الفائدة السائد بين البنوك في سوق لندن والمسمى ليبور (Libor).

وأحيانا يقوم به السعر الذي تتقاضاه مصارف نيويورك عند إقراض أفضل عملائها والمسمى برايم ريت (Prim rate ).

والمعروف أن أسعار الفائدة في الأسواق العالمية تمثل الفرصة البديلة لتشغيل أموال المصارف التقليدية.

فالمصرف الربوي يجب أن يحصل من أي عملية تمويل على عائد أعلى من سعر الفائدة السائد في الأسواق العالمية لتكون عملية التمويل التي يقوم بها مجدية بالنسبة إليه.

لكن هذا البديل غير قائم بالنسبة إلى المصارف الإسلامية لأنها لا تستطيع توظيف أموالها في أسواق النقد العالمية التي تتعامل بالفوائد الربوية.

لكن نظراً لكون المصارف الإسلامية، لا تزال جزءاً من هذه المنظومة العالمية، فهي في تنافس مع المصارف الأخرى.

لذلك فهي مرغمة في الوقت الحاضر أن تنظر لسعر الفائدة السائد في الأسواق العالمية عند تحديد هامش الربح في صيغ التمويل القائمة على البيوع الآجلة كعقد المرابحة وعقد التأجير، بحيث لا تزيد عليه كثيراً، وإلا ذهب العملاء للبنوك التقليدية (إلا من يمنعه ورعه عن ذلك).

كما أن المصارف الإسلامية لن تحدد هامش ربح يقل كثيراً عن أسعار الفائدة؛ لأن المودعين لديها وكذلك ملاكها سيتركونها للبنوك التقليدية (إلا من يمنعه ورعه أيضا عن فعل ذلك).

ولا شك أن هذا وضع غير مثالي، ولكننا نأمل أن يكون مرحلياً.

فإذا أصبح هامش الربح جزءاً من ثمن البيع المقطوع سواء دُفع منجماً (أي على أقساط) أو دُفع مرة واحدة، فلا غبار عليه.

لكن ما لا يجوز أن تفعله المصارف الإسلامية، هو أن تحدد هامش الربح بحيث يتغير مبلغ القسط مع الزمن بتغير أسعار الفائدة، فهذا التصرف غير جائز في عقد البيع؛ لأنه يجعل في العقد غرراً فاحشاً مفسداً له، كما أن فيه زيادة في دَين ثبت في ذمة المدين لا يجوز تغييره.

فاعتبار المصارف الإسلامية لما يجرى لسعر الفائدة في الأسواق العالمية عند تحديد هوامش الربح – حتى دون التعامل به - هو أمر غير مستساغ ومناف للذوق الإسلامي، وقد يثير شك عامة الناس في مدى إسلامية عملها، وبخاصة أولئك الذين لا يعون تفاصيل العقود الإسلامية.

بل يُخشى أن تضطر بعض المصارف الإسلامية إلى "حِـيَلٍ" يكون بعضها غير مقبول شرعاً؛ كأن تدخل ترتيبا يؤدي إلى تغير عائد الاستثمار مع تغير أسعار الفائدة العالمية، بسبب حرصها على عدم الانفصال عن مستويات تلك الفائدة، مثل أن تقوم بربط الأقساط في عقد التأجير المنتهي بالتمليك بمعدل سعر الفائدة المسمى (ليبور).

جزء من الحل:

إن تخلص المصارف الإسلامية من هذه الظاهرة يعتمد على تقليص عملياتها المعتمدة على البيوع الآجلة المولِّدة للديون، واتجاهها أكثر لتطبيق صيغ المشاركات.

ولا تزال المصارف الإسلامية بحاجة إلى تطوير مؤشر أو معيار يكون مناسباً لطبيعة نشاط المصارف في سوق التمويل الإسلامي.

فمثلاً: متوسط الأرباح التي تحققها المصارف الإسلامية من عملياتها ويسمى "مؤشر الأرباح المصرفية " ليكون بديلاً عن مؤشر سعر الفائدة العالمي، وفي الوقت نفسه يكون معياراً لقياس مخاطر التمويل لدى المصارف الإسلامية.

وسيستمر تطوير صناعة الصيرفة الإسلامية بحول الله، لأن هناك نمواً متسارعاً في الطلب على خدماتها، لاستقطاب مزيد من الأموال.



([1]) http://www.al-watan.com/data/20061107/index.asp?content=writer