| المصارف الإسلامية.. شرعية الودائع وضبابية الاستثمار |
 |
 |
| المصدر : عامر عبد السلام |
| 28/06/2009 |
|
انضمَّ إلى عائلة المؤسسات المالية الخاصة مصرفٌ إسلامي جديد، سيطرح أسهمه للاكتتاب العام. وتمَّ القول إنَّ افتتاح هذه المصارف يأتي تلبية لرغبة شريحة من المتعاملين بالتعامل بصيغ التمويل الإسلامي. ولكن هل هذه المؤسسات تتعامل بصيغ التمويل الإسلامي فعلاً؟ وهل تتوافق التعاملات في هذه المؤسسات حسبما اتفق عليه الفقهاء الشرعيون، مع التطبيق على الواقع؟ وأين تؤهل الكوادر التي ستطبق هذه الصيغ الإسلامية؟..
الكثير من الخبراء والاقتصاديين اعتبروا أنَّ التحدي الفقهي الذي يواجه تطوير منتجات المصارف الإسلامية، التي جعلها القانون في سورية من مهام هيئات الرقابة الشرعية، يمكن تجاوزه؛ إما عن طريق المحاكاة للمنتجات المصرفية غير الإسلامية، أو البحث عن الاحتياجات الفعلية للعملاء وتصميم المنتجات المناسبة؛ فما يتعلق بالتحديات التي تواجه المصارف الإسلامية من النواحي القانونية يلاحظ أنَّ هذه المصارف تعاني من مشكلة سقوف الائتمان ومشاكل نسب الاحتياطيات والسيولة ومن القوانين التي قد تحدُّ من حركتها في جوانب الاستثمار الداخلي أو الخارجي.. كما تواجه هذه المصارف تحديات من النواحي الاقتصادية، كصعوبة ممارسة أعمال التجارة وتملك المعدات والعقارات واستئجارها وتأجيرها، مع أنَّ تلك الأعمال من صميم أنشطتها، إضافة إلى ندرة الاستثمارات طويلة الأجل، والصغر النسبي للمصارف الإسلامية. هذه التحديات يشير إليها الدكتور علاء الدين الزعتري مدير دائرة الإفتاء في وزارة الأوقاف، قائلا: «التحديات التشريعية -إن صحَّ التعبير- ليست بالتحديات بالمعنى المعيق، وإنما هي تحديات لإثراء العمل في المصارف الإسلامية. فاختلاف الفتوى يعطي طرقاً عديدة للعمل في المصارف الإسلامية، فيختار كلُّ مصرف ما يتناسب مع الاحتياجات التي يطلبها المواطن، فإنَّ وجود هيئات الرقابة الشرعية في كلّ مؤسسات العمل الإسلامي يطور وينمي أساليب التمويل والاستثمار الموجودة في هذه المصارف»، مضيفاً: «مصرف سورية المركزي أنشأ الهيئة الاستشارية الشرعية لمجلس النقد والتسليف للإشراف على الهيئات التشريعية والتواصل معها، في تسجيل وتقريب وجهات النظر الشرعية للوصول إلى حقيقة وحيدة، ومفيدة؛ فإن لم نصل إلى حقيقة وحيدة، فالحقائقُ الشرعية المتنوعة هي التي تفيد في النهاية المواطنين». وهذا ما أكده فراس العظم مدير عام شركة العقيلة للتأمين التكافلي، قائلا: «للتأمين التكافلي مبادئ واضحة»، موضحاً أنَّ «الغرر (عدم وضوح المسؤوليات) الذي يتمُّ التعامل به في بعض مؤسسات التأمين لا تتعامل به شركات التأمين التكافلي، وإنما المحاكاة للمنتجات المالية غير الإسلامية والبحث عن الاحتياجات الفعلية للعملاء وتصميم المنتجات المناسبة هو ما يتمُّ التعامل به، فالحلُّ هو التأمين التعاوني، أو المتبادل، فمثلا مؤمِّن الاشتراك بحساب يؤمن الشخص المشترك وفي ذات الوقت يؤمن غيره. فالاشتراك يأتي من مساعدة الغير، شرط مساعدة الشخص ذاته، فنوع التعاون يدخل الشخص شريكاً فيه. فالغرر مازال موجوداً من مبدأ التعاوني، لكن العقد خفَّ وأصبح مقبولا عند العلماء، لأنَّ العقد مؤمِّن ومُؤمَّن. ونتيجة الدخول (مؤمِّن ومؤمَّن)، إذا كان هناك فائض بين المشتركين سيعود توزيعه بشكل كامل أو جزئي على المؤمنين، فالإشكاليات تمَّ حلها». لكننا نسمع عن أشخاص دخلوا إلى المصارف الإسلامية، لمجرد أنَّ اسمها إسلامية، ودون معرفة كيفية العمل؛ تقول سعاد (موظفة): «لي حساب في مصرف إسلامي، وفي ذات الوقت آخذ راتبي من المصرف التجاري». وتبرّر ذلك بأنَّ حسابها في المصرف الإسلامي لتضع فيه نقودها الفائضة فقط، دون معرفة مسبقة منها بكيفية العمل في هذه المصارف الإسلامية. وهذه الفكرة يؤيّدها الدكتور باسل جيروي (خبير مصارف إسلامية)، بقوله: «المصارف الإسلامية في سورية لم تأخذ هويتها بعد، ولم تقم بالعمل المتوجب عليها، بل ما تحاوله إصدار منتجات استهلاكية، بإغفال صفة المرابحة من أعمالها»، موضحاً أنَّ «العمل الحقيقي للمصارف الإسلامية هو العمل التنموي الاستثماري». ومن هذه الفكرة ينطلق عبد القادر الدويك مدير مصرف سورية الدولي الإسلامي، بقوله: «المصارف الإسلامية تنطلق من مفهوم الاقتصاد الإسلامي. والاقتصاد الإسلامي له ضوابط في فقه المعاملات موجودة ومقرة ومستقرة ومعروفة في هذا الموضوع، لأنها مستمدة من الشريعة الإسلامية ومن الأحاديث ومن الاجتهادات الموجودة منذ زمن». ويقول الدويك: «لابدَّ من إدراك أنَّ البنوك الإسلامية تعمل ضمن ضوابط محدَّدة صادرة عن مؤسسات دولية في مجمع الفقه الإسلامي وهيئة المراجعة والمحاسبة الإسلامية، التي أصدرت من خلالها أولا المعايير الشرعية، حيث هناك معيار لكل عمل مصرفي؛ فللمضاربة معيار، وللمشاركة معيار، وللاعتماد والحساب والوكالة معيار.. وكلّ هذه المعايير تحدّد أولاً مفهوم المعيار والمرجعية الشرعية وأسس هذا المعيار، وتشرح ماذا يتمّ في هذا المعيار، وكلُّ البنوك الإسلامية ملزمة بتطبيق هذه المعايير الشرعية، فلا مجال فيها للخلاف». ويتمُّ مدير مصرف سورية الدولي الإسلامي قوله: «وبالنسبة للنقطة الثانية، وهي المعايير المحاسبية للبنوك الإسلامية، فهيئة المراجعة والمحاسبة في البحرين، أخذت المعايير الدولية ونظرت إليها من المنظار الشرعي، بشكل ينسجم مع المعيار الشرعي الإسلامي، وهو مجال المحاكاة مع التعاملات غير الإسلامية للتوافق مع المعايير الإسلامية، فالبنوك الإسلامية ملزمة بهذه المعايير». ويعود الدويك ليقول: «في سورية تجد إجراءين أساسيين سليمين يساعدان على تطبيق مفهوم الإجراء الواحد في البنوك الإسلامية. الأساس الأول الهيئة الشرعية التابعة لهيئة النقد والتسليف في مصرف سورية المركزي، والتي تضمُّ مجموعة من الهيئات الشرعية للبنوك الإسلامية. وهذه مرجعية أساسية. وبدئ كما أكد حاكم مصرف سورية المركزي بوضع معايير تنسجم مع المعايير الإسلامية الدولية، ومع مفاهيم المحاسبة، لتطبيقها في البنوك بشكل واضح. النقطة الأخرى صدر قرار عن النقد والتسليف ألزم البنوك الإسلامية بأن تطبق المعايير الشرعية والإسلامية». مقولة الدويك لا تنفي أن يكون هناك فروقات في العمل المالي الإسلامي، فيبيّن أنَّ «الفروقات ناتجة عن أسلوب العمل أو الحالة التي تعرض على الهيئة الشرعية. وفي فقه المعاملات، هناك ما له علاقة بالمذاهب الأربعة. وبقدر ما يهمّ العرض نجد أنَّ هناك ما يجاز، وله ضوابط. بالإضافة إلى أنَّ هناك اجتهاداً، ويكون هناك تطبيقات، فالأسس الإسلامية السليمة منبثقة من فقه المعاملات ومن مصدر الشريعة ولا خلاف عليها إطلاقاً بين الفقهاء».
مجهول الهوية لم تقف التحديات الظاهرة في عمل المؤسسات المالية الإسلامية على قول الفقهاء أو التطبيقات التي يتأثر بها التغيير المالي، حيث تقتصر التعاملات فيها بين عدة أشخاص فقهوا أو لم يفقهوا كيفية العمل في هذه المؤسسات المالية؛ يقول الدكتور جيرودي: «إنَّ العمل المالي الإسلامي مازال في سورية مجهول الهوية، ويقع على عاتق هذه المؤسسات، بالإضافة إلى أنَّ للخطباء ورجال الدين الدور الأكبر في التوعية والتثقيف في هذا المجال». وهذا ما اعترف به مدير مصرف سورية الدولي الإسلامي، مبيّناً أنَّ «هناك دوراً كبيراً على البنوك الإسلامية، كي تقوم بدور التوعية والتثقيف للناس المعنية. وبنك سورية الإسلامي قام بإجراءين في هذا المجال، أولهما أنه عقد ندوات خاصة لرجال الدين وخطباء المساجد بالتعاون مع وزارة الأوقاف، وكان هناك حديث حول هذه الموضوعات، والعمل في المصارف الإسلامية، والنقطة الثانية التوعية على مستوى مجالات المتعاملين مع البنك الإسلامي». إذاً ما يبرز هنا أنَّ المؤسسات المالية الإسلامية تعي دورها وتدرك مسؤوليتها ولا تغفل الواجبات الكبرى الملقاة على عاتقها، كتسهيل مهمة هيئات الرقابة الشرعية وتوثيق صلتها بالمجامع الفقهية التي تهتم بدراسة القضايا المستحدثة لإصدار الفتاوى بشأنها بعيداً عن النصوص الشرعية أو تحميلها ما لا تحتمل من التفسيرات القسرية، والصمود والحفاظ على وجودها أمام المؤسسات المالية والمصرفية الأخرى، والدفع الاقتصادي نحو الإنتاج باستخدام عوامله الأصلية (الأرض والعمل)، والبعد عن التوظيفات الإقراضية لأنَّ المال المتجمع في خزائن المصارف الإسلامية يتكاثر صحياً بالإنتاج، وتنمو مرضياً ببعض أدوات التمويل غير الإنتاجية.
زبدة الكلام المؤسسات المالية الإسلامية بدأت بالقانون 35 لعام 2005 الخاص بالمصارف الإسلامية، والذي اعتبر من أفضل القوانين في الوطن العربي، ووصف من قبل بعض المختصين وكبار العاملين في حقل الصيرفة الإسلامية بأنه أفضل القوانين في الدول ذات النظام الثنائي للصيرفة. وبعد أن أصبح عملها فاعلاً، وموجوداً على الأرض، كما يقول الدكتور باسل جيرودي، لابدَّ لها من خصوصية، واتجاهات واضحة؛ فليس العمل المصرفي أو التأميني عبارة عن جمع للأموال، فالأموال لا تتكاثر في المؤسسات المالية الإسلامية، وإنما المشاريع التنموية والاستثمارية زبدة عمل هذه المؤسسات.
الكوادر.. المؤهلة! مازال كثيرٌ من طلاب الاقتصاد والتجارة وطلاب الشريعة يفتقرون إلى التفرقة بين أنواع المؤسسات المالية (التفرقة الضمنية لعمل هذه المؤسسات)، ما خلق مشكلة في وجود الكوادر المؤهلة القادرة على العمل في المؤسسات المالية الإسلامية. هذا ما أكده مدير عام العقيلة للتأمين التكافلي، إذ إنَّ هناك مشكلة في شركات التأمين بشكل عام والتكافلي بشكل خاص. الدويك من جهته أوضح أنَّ البنوك الإسلامية حديثة في سورية كالبنوك التقليدية، والآن حتى يكون البنك قادراً على العمل يجب أن يكون قادراً على تأهيل الكوادر البشرية. في بنك سورية الدولي، على سبيل المثال، تمَّت الاستعانة بمجموعة من الموظفين السوريين والعرب من الدول المجاورة من الذين لديهم خبرة في العمل المصرفي ليأتوا إلى البنك. إضافة إلى ذلك، وقبل فتح أيّ فرع، يقوم البنك بإقامة عدد من الدورات له في عدة مجالات (أولا التدريب ومعرفة المعايير الشرعية والمحاسبية الإسلامية، وثانياً العمل على نظام البنك الإسلامي المطبق في هذا البنك، وثالثاً تطبيقات نظرية وعملية على مفاهيم العمل الإسلامي). لكن الدكتور الزعتري أشار إلى وجود حلّ لهذه المشكلة، قائلا: «هناك جهود تبذل في كلية الاقتصاد والتجارة وكلية الشريعة وحتى في معهد التدريب التابع لمصرف سورية المركزي، لتأهيل الكوادر، بالإضافة إلى قيام البنوك والمصارف بإرسال بعض الموظفين لحضور دورات مستقلة لتنمية قدراتهم ومهارتهم، لمعرفتهم في الوسائل الشرعية. ولا يخفى وجود معاهد خاصة لتدريب وتأهيل الموادر البشرية».
|
للمتابعة من المصدر:
http://www.baladnaonline.net/ar/index.php?option=com_content&task=view&id=30654