كيف نكرم رمضان
كيف نكرم رمضان
27/8/1431هـ
6/8/2010م
الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا للإسلام وأكرمنا بالإيمان وجعلنا من أمة القرآن، الذي أنزله على نبيه العدنان في شهر رمضان.
وأشهد أن لا إله إلا الله... جعل شهر رمضان شهر العبادات والقربات والطاعات له سبحانه وتعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
وأشهد أن سيدنا محمد عبد الله ورسوله...وقال فيما قال: "رب صائم ليس له من الصيام إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من القيام إلا السهر والتعب".
يا عباد الله: جرت عادة العرب إذا جاءهم ضيف، وكان لهذا الضيف حاجة، أنه ينتظر من أصحاب الدار أن يقدموا له قهوة أو شيء من الضيافة، فيمتنعوا عن قبولها حتى يلبي أهل الدار حاجته، يقول: قهوتكم مشروبة حتى تقضوا لي حاجتي، تفضل وما حاجتك، فيقول لهم: كذا وكذا، فيقضون حاجته، ثم يتناول ضيافته، ونحن على أبواب أيام سيقدموا إلينا ضيف عزيز كريم مبارك له حاجته عند كل واحد منا، ليست حاجته لنفع ذاته، بل حاجته من أجلك أيها المؤمن، فانظر ما حاجة شهر رمضان إليك، وبالأحرى ما حاجتك أنت أيها المؤمن لشهر رمضان، فهل حاجة شهر رمضان أن نكثر من الطعام، وهل حاجة شهر رمضان أن نكثر من السهر والسمر.
ما حاجة شهر رمضان إذا جاءكم؟ أن تمتنع عن العمل بحجة أنك صائم.
ما حاجتك إلى رمضان؟ أن تتذمر من خلق الله وتتقاعس وتتكاسل عن قضاء حاجات الناس بحجة أنك صائم.
ما حاجتك من رمضان؟ أن تنام النهار وتتعب ساهراً في الليل.
اقرأ.. اقرأ تصرفات الناس في رمضان يوم عكسوا المفهوم، وجعلوا العبادات عادات، والأصل أننا بالنية الصالحة نغير العادات إلى عبادات، فما بال الناس في هذا الزمان قد حولوا عباداتهم بدل أن تكون لله أصبحت عادة وطقساً وشكلاً ومظهراً فلكلور، ما الذي يجري؟ ابحث ودقق، ما الذي تطلبه من رمضان، وماذا يطلبه منك رمضان؟ لن يقبل ضيافتك إلا إذا قضيت حاجته.
ما حاجتك أيها الشهر الكريم؟
قال: حاجتي إليك أن أوصلك إلى مستوى عالٍ رفيع، أن أجعلك من المتقين، وما دليل ذلك: الآية التي نسمعها..نرددها في رمضان وفي غير رمضان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، وليس لعلكم تشبعون..لعلكم ترتوون..لعلكم تسهرون.. لعلكم تخسرون أو تربحون..لا.
حاجة رمضان إليك أن يرفع قدرك، ويعلو شأنك، ويجعلك في صف المتقين، فاستعد لهذه الكرامة، واستعد لاستقبال هذا الضيف الذي لا يقبل منك حتى تقضي حاجته بأن تكون من المتقين، وإلا إن لم تكن من المتقين، فلن يقبل ضيافتك ولو زارك، وسيمر رمضان كما يمر غيره من الشهور، وتمضي الأيام والساعات كما تمضي وتنقضي غيرها من الساعات والأيام، فهل هذا هو المقصود أن تمر الأيام عليك وتتعاقب الليالي دون أن تغير من حالك، ودون أن تبدل من شأنك {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] فماذا تريد من رمضان؟ وماذا يريد رمضان منك؟
إذا كان الزمان هو الزمان، وإذا كان العمل الذي تقوم به هو العمل، وإذا كان المكان هو المكان، فلم الاختصاص!! وفي الأثر: (إن لله نفحات ألا فتعرضوا لها) (إن لله خواص في الأزمنة والأمكنة والأشخاص) فخاصية الزمان شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن الذي ينبهك إلى غاية الصيام، ألا وهي حق التقوى، فما لم نكن على هذا المستوى الرفيع من التقوى، فكيف نستقبل ضيفنا العزيز.
الضيف الدنيوي تبحث له عما يصلح شأنه، وتبحث له عما يسعده، وتبحث له عن الطعام الذي يرغب فيه، وعن الاستراحة التي يطلبها، تحاول كل جهد ليكون ضيفك مرتاحة، وضيفك القادم شهر رمضان، ماذا يريد مني شهر رمضان؟ التقوى: كلمة حفظناها وعرفناها فهل حولناها إلى سلوك وعمل؟
فهل في شهر رمضان هدر للأوقات، ضياع للأزمنة، بالنوم، بالاستراحة، بعدم العمل.
هل من التقوى أننا نصوم عن المباحات في النهار، ويقدم البعض على المحرمات في الليل، ليست هذه هي التقوى.
إرادتك وعزيمتك، معرفتك للصيام، تجعلك ترى المباح بين يديك وأمام ناظريك، وتقول إني صائم، الطعام لا أقربه، الشراب لا أتناوله، لأن الله أمرني بالصيام عن المباحات، فمن قدر على المباحات فامتنع عنها، أليس الأجدر به أن يكون مبتعداً عن المحرمات.
اقرأ حياة الناس في ليل رمضان، وإذ عندما يؤذن المغرب تنعكس الأمور، وإذ به وكأن الليل يباح فيه الحرام، وليس فقط فيه المباح، وإذ به يسهر يتابع ما يتلذذ به في عينيه، وما يقوي به نفسه وشهوته، أي صيام هذا الذي نبحث عنه، وأي ضيف هذا الذي نكرمه، وأي تقوى هذه التي نقوم بها.
رمضان.. هل هو شهر لتعطيل مصالح الناس؟ بحجة أننا صائمون.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال: "فإن سابه أحد أو شتمه أو خاصمه فليقل إني صائم"، ليست مقولة باللسان فحسب، بل اللسان يذكر القلب، أن الصائم قد ضبط نفسه، أن الصائم قوي الإرادة، وبالتالي لما ضبط فمه عن إدخال الطعام والشراب إلى المعدة، وضبط نفسه عن شهوة الفرج فلم يقرب زوجته.
لما كان قادراً على ضبط النفس، فهو قادر على ضبط النفس تجاه الآخرين، وقوله: إني صائم، تذكير لمن أمامه أننا في شهر الدورة التدريبية؛ لنقابل الإساءة بالإحسان، أننا في شهر الدورة التدريبية؛ لندفع عن أنفسنا بالتي هي أحسن {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا} ، ورمضان شهر الصبر {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35].
هديتك من رمضان، عندما يأتي إليك ضيفاً عزيزاً مكرما، أنه يرقيك، يهذب نفسك، يقوي إيمانك، يصلح من شأنك، فكن على مستوى هذا الحدث في هذا الشهر العظيم.
تعس من أدرك رمضان فلم يغفر له؛ لأنه في هذا الشهر يرى أن الناس صائمون عن المباحات ممتنعون عن الأهواء والشهوات، وبالتالي بعيدون عن المحرمات والمنكرات، ويرى أن الناس يقبلون على الطاعات والقربات وقراءة القرآن وصلاة الليل والتراويح والحرص على الجماعة، وهو ينظر إليهم متفرجاً أم يتسابق معهم متنافساً {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26].
فمن مرَّ عليه رمضان وهو ينظر إلي غيره يتقدم في أمر الآخرة وفي شأن الدين وهو يترقب، سيلوم نفسه ويتحسر، يوم لا تنفع الندامة ولا الحسرة يوم القيامة؛ لأن الصيام لله سبحانه وتعالى وهو الذي يجزي ويعطي ويثيب الصائمين.
قراءة القرآن: الحرف بحسنة، والحسنة بعشر أمثالها، الصلوات لها أجر معلوم، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، أما الصيام في الحديث القدسي يقول الله عزَّ وجل: "فإنه لي وأنا أجزي به".
إذا استقبلت ضيفاً وقد أكرمته، فإنه سيقابل إحسانك بالإحسان، ومعروفك بالمعروف، وإذا قدمت هديتك التقوى، فإنه سيقدم لك هديته، وهدية كلٍّ على حسبه، وهدية رمضان من الله، وشتان بين هدية العبد لربه، وهدية الله عزَّ وجل لعباده.
فاحرص أخي المؤمن على أن يكون رمضانك في هذا العام مميزاً، احرص.. جاهد نفسك.. لا تكن إمعة، نصوم مع الصائمين، ونفطر مع المفطرين، ونلهو مع اللاهيين.. لا، ونصلي مع المصلين، ونتلو القرآن مع التالين.
ابحث عن أفضل من ذلك، ابحث عن أعلى من ذلك.
هناك من يصوم رمضان مرتين، في الشهر الواحد، في العام ذاته، كيف ذلك.
قال يصوم رمضان فيطعم الطعام، "من فطر صائماً كان له من الأجر مثل أجره لا ينقص من أجور الآخرين شيئاً، إذا أطعمت شخصاً صمت رمضان مرتين، إن أطعمت عائلة صمت رمضان بعدد أفراد تلك العائلة.
المسألة ليست مقتصرة على نفسك بأن تمتنع، هذا الامتناع السلبي مطلوب، ولكن صيامك الإيجابي بفعل الخيرات وتعدي الخيرات إلى الآخرين مطلوب أكثر فأكثر.
ذكرنا أن لك في النهر ثلاث وجبات، وفي رمضان وجبتين، أين الوجبة الثالثة.
احرص على أن تذهب لمحتاج، اجعل الوجبة الثالثة لمسكين وفقير، ليتيم وأرملة، لمن لا يجد الطعام والشراب؛ لتصوم رمضان مرات ومرات في العام نفسه.
قراءتك للقرآن جيدة ومطلوبة، ولكن احرص على أن تتعلم المزيد وتعلم غيرك، ليكون لك رمضان مرتين.
ابحث عن طرق الخير وسبل الفلاح والنجاح، تراها كثيرة ومتعددة، وأقرب الناس إليك هم أولى بك، وعطاؤك لمن حولك خير لعطائك لمن هو بعيد عنك.
صلتك للرحم، لن نتحدث الآن عن الزكاة و لا عن الصدقات، فهي مطلوبة، ولكن فوق هذا وذاك، أن تحسن معاملتك مع الناس ومع أقاربك ومن حولك.
أيها المؤمنون: رمضان فرصة لا تتكرر، وهنيئاً لمن استفاد من هذه الفرص.
يقال: بأن التاجر قد اغتنم موسماً فزاد رأسماله وربحه، ويقال: بأن صناعياً أتقن حرفة في موسم فتألق، ويقال: بأن مزارعاً عرف الاستفادة من أرضه فكثر خيره.
وأنت كن واحداً من أولئك الذين عرفوا معنى الصيام ومعنى رمضان؛ ليشار إليك في الملأ الأعلى، انظروا إلى عبدي أحسن صيامه، صام في النهار وسهر في الليل، الصيام والقرآن يشفعان، أي ربي منعته الطعام والشراب في النهار فشفعني فيه، أي ربي منعته النوم في الليل قارئاً مصلياً ساجداً عابداً فشفعني فيه، قال: فيشفعان.
اللهم شفع فينا القرآن، وشفع فينا الصيام واجعلنا من الذين يكرمون وفادة رمضان إنك يا مولانا نعم المولى ونعم النصير.
الخطبة الثانية:
يا عباد الله: ليكن كل واحد منا ممن أكرمه الله بالإيمان، ممن أكرمه الله بحضور الجمعة والجماعات، ممن أكرمه الله بالاستقامة على شرع الله.
ليكن كل واحد منا عوناً على أخيه، عوناً لأخيه التائب في شهر رمضان.
هناك أشخاص يأتون في شهر رمضان يقبلون على الطاعات ويحضرون المساجد (مشايخ رمضان)، هؤلاء الذين يأتون إليك، ويصلون بجوارك، ويدخلون بيت الله، كن عوناً لهم على الاستقامة في شرع الله إلى ما بعد رمضان؛ لتكون توبتهم نصوحة، وإياك واحذر أن تجعل نظرتك إلى هؤلاء نظرة الاستعلاء والتكبر- الآن جئت، أين كنت، لا نراك إلا في رمضان-، لا تكن عوناً للشيطان على أخيك، بل كن عوناً لأخيك على شياطين الإنس والجن.
ما أحوجنا إلى أن نكثر من طاعة الله، ما أحوجنا أن يزداد عملنا في طاعة الله، فإن رأيت هؤلاء التائبين من الكبار أو من الصغار فحفهم برعايتك، واذكرهم بدعواتك، وادعوا لنفسك ولهم أن يثبتنا الله وإياهم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.