كلمة سماحة المفتي العام للجمهورية العربية السورية في تعزية سماحة السيد محمد حسين فضل الله
كلمة سماحة المفتي العام للجمهورية العربية السورية في تعزية سماحة السيد محمد حسين فضل الله
الأحد 1/8/2010 م
المكان: المدرسة المحسنية بدمشق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله خالق الموت والحياة، والصلاة والسلام على سيد الوجودات سيدنا أبي القاسم محمد، وعلى آل البيت والعترة الكرام، والصحابة الأعلام، ومن تبع هدي القرآن، واتبع سنة النبي العدنان، ووالى القرابات من الآل، وبعد:
أصحاب السماحة
السيد الحسيب النسيب عبد الله نظام حفظه الله ورعاه.
السادة الحضور:
يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)} [فصلت].
أي سادة:
ما بين اعتقاد المؤمن وسواه، أن المؤمن يرى أن استمرار الحياة بعد الموت أسمى وأرقى من الحياة قبل الموت، وأن الموت إنما يغيب الجسد الترابي ليعيده إلى أصله، ويبقى القلب العامر بالإيمان يحلق في ملكوت السموات والأرض.
ونحن اليوم بين يدي العلاَّمة المرجع المجتهد سماحة السيد محمد حسين فضل الله، الذي يدوم ظله بدوام منهجه في الاجتهاد المتقن، والفكر النيِّر الواسع، والحوار الهادئ المحقق، والثقافة العالية الإنسانية.
ففي زمن ضَعْفِ الفكر الديني، الملامس لحاجات الإنسان اجتماعياً واقتصادياً وفلسفياً، نقرأ تألق الاجتهاد في شخص سماحة المرجع فضل الله.
هذا الفكر الجامع لكلمة المسلمين، والساعي لوحدتهم في إطار القوة الإيمانية الصادقة، المستمدة من القرآن روحها، ومن النبي وصلى الله عليه وآله وسلم نورها، ومن آل البيت الأطهار حركتها ونشاطها.
لقد تمثل سماحة السيد فضل الله القرآن سلوكاً وعملاً، وبخاصة الآيات التي جعلتها مقدمة كلمتي، حيث كان ممن استقام وثبت، وجاهد وصابر، ودعا إلى الله بصدق القول، وحسن العمل، وكمال القدوة.
واسع الصدر مع المخالف له في الرأي، لا يرد بالسوء على أحد، بل يعذر ويسامح مع قوة الحجة، ومصداقية البيان، وكل ما يصدر عنه هو الخير حتى لأولئك الذين اضطهدوه وحاولوا إلغاء فكره، واستمرار منهجه، ولا يُحسن هذا إلا أولياء الله، كما وصف القرآن.
ولم لا يكون كذلك، وهو المتشرب للحب والنقاء من جده المصطفى صلوات الله عليه وعلى آله، وهو الذي نهل من رحيق مدرسة آل البيت، دون تعصب أو انحياز، بل بالموضوعية العلمية، والحجة القاطعة، والبيان الصريح، والحب الصادق.
ولما سئل عن مذهبه، قال: أنا مسلم، أنا مسلم.
وفي كل لقاء تجده يؤكد على القواسم المشتركة الجامعة: ولائي لآل البيت، والتزامي بالقرآن، واحترامي وإجلالي للصحابة، واتباعي وحبي للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، القائد والهادي، والمعلم والرسول.
ولم يقتصر دور سماحة السيد على الفكر النظري، بل كان لفكره الأثر الإيجابي المؤثر في ثقافة المقاومة والممانعة والجهاد، فقد جمع بين الاجتهاد والجهاد، ولئن كانت المقاومة تتميز بإشهار السلاح في وجه المستكبرين والمحتلين، فها هي الكلمة الصادقة تملأ قلوب المؤمنين بحماسة الإيمان بالله، والتضحية والفداء لإعلاء كلمة الحق، وهي ذاتها التي تزعزع قلوب الأعداء فرقاً، ولقد كان من آخر كلامه: أمنيتي أن تُحرر فلسطين، وأن أصلي فيها.
في عالميته الإنسانية، لم يتأثر بالحدود المصطنعة، فمن العراق مولداً، إلى النجف الأشرف وقم ومشهد الرضا تلقياً للمعارف، إلى لبنان متألقاً في عطائه، إلى سورية التي كانت تسعد بلقائه الأسبوعي، في ظلال السيدة زينب سلام الله عليها والرضوان، فينثر من أريج فكره، وسعة علمه، وغزارة آرائه، ومتانة اجتهاده، كي يكون العطاء لكل أبناء الأمة، ولا يكون حكراً على مذهب أو جماعة، أو بلد.
وهنا تُسجل لسورية كلمات الفخار بالكبار، ممن يمتد ذكرهم، ويسمو علمهم وينتشر، ليصل إلى كل أنحاء العالم، ولتبقى سورية تحمل الرسالة السامية الخالدة، للأمة الواحدة العربية والإسلامية.
وفي استطلاع للرأي تبين أن من أكثر الكتب انتشاراً في العالم هو ما خطه سماحة السيد فضل الله، بعنوان (الحوار في القرآن الكريم) والذي يفتح الباب أمام كل القيادات الثقافية والدينية ليتعلموا كيف يكون التكامل فيما بين أفراد الأمة الواحدة، عبر الحوار الواسع والرصين.
وهذا ما نتمناه لكل العلماء إحلال التفكير بدل التكفير، واللطف بدل العنف، والمصارحة بدل المصارعة، والتكامل بدل التنافس، والتنسيق بدل التشكيك.
رحم الله فقيدنا في الجسد، الخالد في فكره ومعرفته وروحه، والقيم الإسلامية التي حملها عقيدة، وانتماءاً ونثرها في الكون حباً وصفاءً وولاءً.