ما رأيك بخدمة البنوك الاسلامية

  • جيدة
  • متوسطة
  • سيئة

اشترك لتصلك تحديثات الموقع على بريدك الإلكتروني

اشترك لتصلك اخر التحديثات على هاتفك الجوال

الرجاء إدخال الرقم مسبوقاً برمز الدولة

القناعة كنز لا يفنى

الاثنين 16 شعبان 1431 / 26 تموز 2010

القناعة كنز لا يفنى

11/8/1431هـ

23/7/2010م

الحمد لله... وأشهد أن لا إله إلا الله...

جعل الناس متفاوتين في الأرزاق ليبلوهم فيما أتاهم، فمن شكر زاده ربه، ومن جزع بقي يعيش في قلق وحرمان.

وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله... عاش عيشة هنيئة، وكانت حياته طيبة، رضي من الله بما قسم له، وقنع من الله بما أعطاه، فكان خير القدوة وخير الأسوة.

أما بعد فيا أيها المؤمنون:

اتقوا الله في حياتكم، اتقوا الله في أعمالكم، اتقوا الله في أعماركم، اتقوا الله في أموالكم، اتقوا الله فيما أتاكم، فمن اتقى ربه شكر، وقد قال تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7].

إذا سألنا الناس أيها الأحبة، إذا سألنا كل واحد، هل أنت راضٍ عما أنت فيه؟ من حيث المال، من حيث العمل، من حيث المكانة، من حيث الجاه، فيا ترى هل يكون الجواب متساوياً لدى الجميع، نعم رضينا بما نحن عليه، رضينا بما قسم الله عزَّ وجل لنا، أم إن إجابات تأتي.. العمل غير ميسر، والمال غي كافٍ، والرزق غير وفير، والجاه نطمع فيه إلى المزيد، ما هي إجاباتنا؟ ونحن نقر أننا عبيد لله، فيا عبد الله المؤمن: أرضيت، أقنعت، أم إن نوازع النفس تختلج بين جوانبك، وتتطلب منك المزيد والمزيد، وهذا الذي تتطلبه منك النفس وتستشرفها، هل هذا الذي تطلبه منك النفس يكون في إطار الطموح المشروع، أم الطمع المذموم، {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [القيامة: 14-15].

العامل لا يرضى عن مهنته، والموظف غير راض عن وظيفته ومرتبته، والتاجر غير قانع بما يرد إليه من أرباح، والصناعي يحاول محاولات شتى؛ ليقلل من التكاليف ويزيد من هامش الأرباح، وهكذا أمثلة كثيرة عديدة، حياتية واقعية، ولكن أردنا في هذا اللقاء أن نربط حياتنا برضا الله عزَّ وجل بالقناعة بما جعله الله عزَّ وجل مكتوباً لنا في الأزل.

إن القرآن أيها الأخوة قد ذكر القناعة بكلمة القانع، إذ قال عزَّ وجل: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[الحج: 36].

القناعة ذكرت في القرآن بمعناها، إذ قال الله عزَّ وجل في الحديث عن الصدقات والإنفاق: {لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} [البقرة: 273]، نعم المؤمن يرضى ويقنع، غير المؤمن أو ضعيف الإيمان يجزع ولا يرضى، بل يطمع، وطمعه قد يرديه إلى المهالك، ويوقعه في المزالق، وإذ به ينحرف عن الصراط المستقيم، ويتنكب عن الطريق القويم، فيبحث عن المزيد من المال، وعن المزيد من الجاه، وعن المزيد من السلطة، وعن المزيد في المكانة، فيراق ماء وجهه، ويسأل الناس أعطوه أو منعوه، فا أي رجل أنت؟ من المؤمنين الشاكرين الحامدين القانعين الراضين، أم من الذين تتغلب عليهم أهواؤهم وتسيطر عليهم شهواتهم، ويطمعون، فيصلون بطمعهم إلى ما لا يرضي الله.

قال العارفون: ملاك الدين الورع، وهلاك الدين طمع، فهل أنت في حياتك من الذين يتورعون ويتجنبون الشبهات؛ ليصلوا إلى المباح، أم إن البعض من الذين يطمعون فينحرفون وينزلقون، فيصلون إلى هلاك الدين.

من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، في القناعة، في الرضا والتسليم، بما قسم الله عزَّ وجل لك.

يقال بأن الله عزَّ وجل لَمَّا خلق العقول لبني البشر، قنع ورضي كل من الناس بعقله، ولّمَّا قسم الله عزَّ وجل الرزق لعباده، كثير من الناس لم يرضى بهذه القسمة.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "طوبى لمن هدي للإسلام، وكان عيشه كفافاً وقنع"، وقال صلى الله عليه وسلم: "يا أبا هريرة كن ورعاً تكن أعبد الناس، وكن قنعاً تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلماً، المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب" حتى إذا جعلك الله يوماً وصياً على مال اليتيم فإن التوجيه القرآني يقول: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ} [النساء: 6]، ذاك مال اليتيم لا نقربه، {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6].

أمَّا إن سمعت عن أناس تولوا مال غيرهم، يتامى كانوا أو ضعفاء أو فقراء، وإذ بهم يأكلون هذا المال دون أن يكون لديهم رادع دين أو وازع من ضمير، اقرأ قول الله عزَّ وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} [النساء: 10]، نسأل الله العفو والعافية.

في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما رواه البخاري ومسلم: "انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أحق فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله"

نعم في شأن الدنيا لا تنظر إلى الآخرين الذي أعطاهم الله الكثير من المال والصحة والقوة؛ لأن هذا النظر إلى من هو فوقك يتعبك، أما في أمر الآخرة، في أمر تنافس الدين، في أمر العبادة لرب العالمين، في أمر الإكثار من النوافل، صلاة وصياماً وصدقات، انظر إلى من سبقك.

أمَّا في الدنيا فقد قال عزَّ وجل: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً}، أشكالاً وأصنافاً من الأموال والأرزاق، {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131].

عن حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاني-سأله المال فأعطاه-، قال ثم سألته فأعطاني)

النبي عليه الصلاة والسلام جواد كريم، وصفه الواصفون يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ولكن المسألة ليس أن يكون لديك الكثير من المال، لمَّا ألح حكيم بن حزام وأخذ المرة الأولى والمرة الثانية، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: "يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس، بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس،-تطلع إلى المزيد- لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واعلم أن اليد العليا خير من اليد السفلى".

اليد العليا: المعطية، المنتجة، الموثقة، التي تعمل، أما اليد السفلى: فهي العاجزة مع القدرة، أما العاجزة مع المرض فلها شأن آخر، فالتكافل الاجتماعي يغطيها، أم كسل وخمول ثم سؤال الناس، لا، فاليد العليا خير من اليد السفلى.

ومما ورد أن سيدنا موسى عليه السلام سأل ربه، أي ربي،أي عبادك أحب إليك، قال: أكثرهم لي ذكرا، قال سيدنا موسى: أي عبادك أغنى، قال: أكثرهم قناعة، أقنعهم بما أعطيته،-الأغنى: هو الذي قنع ورضي بما أعطاه الله- قال: أي عبادك أعدل، قال: من دان نفسه، من حاسب نفسه قبل أن يحاسب غيره، هذا هو أكثر عدلاً، وأكثر غنىً، والأكثر حباً عند الله عزَّ وجل، الذاكر، القانع، المحاسب لنفسه.

النفس راغبة إذا رغبتها          وإذا ترد إلى قليل تقنع

عباد الله: قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه، وإذا تحدثنا عن القناعة التي هي كنز لا يفنى، مما حفظ من آثار تراثنا، والتي ربما لم يعد يكرر مثل هذا الكلام النافع، القناعة كنز لا يفنى، رغم أننا نتحدث عن القناعة لا نعدم الطموح المشروع، الدافع إلى العمل الجاد، والسعي الدؤوب للوصول إلى الأفضل والأحسن، مع طلب ذلك من الله عزَّ وجل.

فأنت أيها المؤمن لست بالقنوع الخانع الذي تقبل أن يعطيك الآخرون، ولست بالطامع الذي تنسى شكر الله على نعمه، فكن بين الأمرين.

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من الراضين بحكمك وقضاءك، ومن القانعين بعدلك ورزقك، اللهم آمين.

الخطبة الثانية:

يا عباد الله: أمران مهمان نتحدث فيهما في هذا المقام.

الأمر الأول: أنه مر على بلادنا عشر سنوات بعد القسم الذي أداه السيد الرئيس بشار الأسد، تلك السنوات العشر التي حملت معها من الحكمة في الإدارة والسياسة، ما كانت واعية لأمر الداخل والخارج، فسياسة التطوير الاقتصادي والتحديث في القوانين والمراسيم بما فيه خير العباد وصلاح البلاد، أمر كان ملموساً على المستوى العالمي، قبل أن يكون على المستوى المحلي والقطري، هذه شهادات تقرأ في وسائل الإعلام العالمية قبل المحلية؛ لأن هذا الرجل الإنسان كان صالحاً ومصلحاً، كان يعمل لما فيه الخير والصلاح لأمته، على المستوى الاقتصادي الانفتاح الذي شهدته البلاد، سواء في جعل القطاعات العامة والخاصة والمشتركة، المصارف الإسلامية، والمؤسسات المالية في التأمين التكافلي والتعاوني، بما يجعل حركة الحياة الاقتصادية أكثر خيراً ورفاهاً، هذا الانفتاح على تركيا في الشمال، وهذا الاحتضان بدول الجوار، كل ذلك يؤكد على أن هذا يستوجب علينا أن نرفع أيدينا إلى الله بالدعاء لهذا الرجل الرئيس المؤمن أن يحفظ الله له ما هو فيه من الخير، وأن يوفقه للمزيد من العطاء والخير.

المقاومة والنضال في فلسطين وغزة، المقاومة في جنوب لبنان، احتضان أشقاءنا يوم اعتداء إسرائيل على الجنوب، الاحتضان لإخواننا وأشقاءنا في العراق يوم الاحتلال الأمريكي، كل ذلك عندما نقرأه قراءة متأنية، نجد بأن السياسة حكيمة وواعية، مما يستوجب علينا مزيداً من الدعاء والدعم والتأييد والمساندة.

يا عباد الله: يقول الإمام الحسن البصري رضوان الله عليه: والله لو علمت أن لي دعوة مستجابة عند ربي، لجعلتها لولي الأمر، ففي صلاحه صلاح العباد، وفي فساده فساد العباد، في صلاحه صلاح البلاد، وفي فساده فساد البلاد، كما تكون يولَّى عليكم، فلندعو الله عزَّ وجل بقلوب خاشعة وبألسنة حامدة، لك الحمد يا رب على نعمك كلها، ومن النعم أننا في بلاد الشام نعيش حياة آمنة مطمئنة مستقرة بقيادة سيد الرئيس بشار الأسد.

أيها المؤمنون:  هذا العقد من الزمن الذي مر علينا، نفتخر بما جرى فيه من أعمال، ونعتز بأن كلمة الحق كانت صداحة، سواء على سبيل تعزيز التضامن العبي، أو في الوحدة الوطنية التي نعيشها عبر قرون من الزمن مسلمون ومسيحيون في بلاد أرادها الله عزَّ وجل أن تكون مباركة، قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} [الإسراء: 1]، ففي بلاد الشام بلادنا مشى سيدنا إبراهيم، وفي بلاد الشام بلادنا أمن سيدنا موسى عليه السلام، يوم خرج هارباً من مصر مطارداً من فرعون، أمن في هذه البلاد، في بلادنا بلاد الشام ولد سيدنا عيسى عليه السلام، في بلادنا بلاد الشام عرج سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فلنبقى على دعاء دائم ومستمر، أن تبقى بلادنا مباركة تحمل قيم السماء وأخلاق الأنبياء حتى يبقى الخير في هذه الأمة، كما قال صلى الله عليه وسلم: الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم الدين.

نقرأ التحالف مع الذين يحبون قيم الحق والعدالة، إن في تركيا من خلال فك الحصار عن غزة الجريحة، أو في إيران الداعمة لكل أنواع المقاومة ضد الاستكبار العالمي، أو حتى في أقصى البلاد في العالم بنزويلا التي كانت تقف مع الحق، ومن كان مع الحق يكون الله معه، فكون مع الحق عباد الله حتى يكون الله معنا حافظاً ومؤيداً ونصيراً، اللهم إنا نسألك النصر والتمكين لبلادنا وسائر بلاد المسلمين.

أم الأمر الآخر أيها الأحباب: ففي فصل الصيف، يجب الاهتمام بل مزيد الاهتمام بالنظافة العامة، أما إلقاء القمامة مبعثرة هنا وهناك، مما يجعل محاضن لتوليد الحشرات، وكثرة الأمراض وانتشارها، وبخاصة مرض اللشمانيا الذي اشتهرت به مدينة حلب عبر القرون، لماذا ننتظر مساعدات طبية عالمية للقضاء على مثل هذا المرض، وأمره سهل بسيط باتباع قواعد الإيمان [النظافة من الإيمان]، باتباع قواعد الإسلام [نظفوا أفنيتكم]، يوم يكون شارعك كبيتك، ويوم يكون اهتمامك بالطريق كاهتمامك بسيارتك، ويوم يكون اهتمامك بأخيك في المجتمع كاهتمامك بنفسك، عندها نعيش آمنين سعداء مطمئنين، اللهم اجعلنا كذلك يا رب العالمين.