عمارة المساجد
عمارة المساجد
5/8/1431هـ
16/7/2010م
الحمد لله..وأشهد أن لا إله إلا الله... القائل سبحانه: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96].
وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله...عَلَّم أن الاهتمام بالساجد الإنسان، أولى من الاهتمام بالبنيان والمساجد، فالإنسان المصلي أهم من البناء، صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله.
أما بعد فيا أيها المؤمنون:
اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد، {وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8].
يا عباد الله: لو سأل الواحد منا نفسه، أين أنا الآن؟
الجواب واضح: في بيت من بيوت الله، في مسجد من مساجد الله، لماذا أنا فيه؟ وما الحكمة والغاية من وجودي في بيت من بيوت الله، لماذا لا أكون في مكان آخر في هذا الوقت؟ ولماذا لا تترك العبادات شخصية لكل إنسان، يؤديها في الوقت الذي تشاء، وفي الزمان الذي يريد، وفي المكان الذي يناسب.
لماذا نحن في المسجد؟ هل لأن المسجد ذو مكانة في بنائه، في جدرانه، في تكييفه، في إنارته، أم أن هناك غاية أسمى من هذا الذي نتحدث عنه، من الأمور الشكلية الظاهرية؟
إذا قرأنا في القرآن الكريم عن المسجد، نقرأ قول الله تبارك وتعالى: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ} [التوبة:108]- المسجد فيه رجال، وما الرجال- {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ، لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [النور: 37-38]، فيه رجال.
قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23]، فهل يا ترى أنت من هؤلاء الرجال، أم أن هناك تصنيفاً آخر، أن هناك فرقاً بين الرجل والذكر؟.
الذكر مقابله أنثى في حركة الحياة الفيزيولوجية، له شعر في وجه، وله حركة خاصة في الذكورية.
أم الرجال وما أدراك ما الرجال؟ الذين عرفوا معنى دورهم في المسجد، فخارج المسجد ترى الذكورة والإناث، والحركة في الحياة طعاماً وشراباً، سفراً وحضراً.
أم الرجال الذين أرادهم الإسلام أن يحملوا الراية للعالمين، رجال ملئ قلوبهم التقوى، ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: "التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا" قالها ثلاثاً، ويشير إلى صدره الشريف صلى الله عليه وسلم، فهل وصلت التقوى إلى قلبك أيها الرجل المؤمن؟ الصادق في وعدك، الأمين في تصرفك، أم إن البعض يدخل إلى المسجد على أنه مكان مبارك، يؤدي فيه ركيعات، يسمع فيه كليمات، ثم يغادر ولا يستفيد من حضوره شيء، خرج كما دخل.
أين صفة الرجال في الإيمان؟ كيف يتحقق هذا الأمر؟ وبعض الذين يدخلون إلى المسجد قلوبهم منكرة، أجساد تؤدي حركات، ولكن الإيمان لم تخلط بشاشته القلوب، حتى لو سلم على أخيه المسلم داخل المسجد، فإن سلامه سلاماً عابراً، سلام عابر وربما في ذهنه من الكلام عليه، والغيبة له، بل من الخداع في بعض الحالات، من الغش، من الكذب، فأين هؤلاء الرجال الذين يستحقون أن يدخلوا بيوت الله {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَالٌ} [النور: 36-37] فتش عملك، هل أثر المسجد في حركة حياتك، أم إن الناس يشتكون من المصلين أكثر من شكايتهم من غيرهم؟
انظروا إلى فلان يحافظ على دخوله إلى المسجد، ولكنه في الصناعة يغش، وفي التجارة يكذب ويحتال، وفي العمل كذا وكذا، وفي الوعد كذا وكذا، حدث ولا حرج.
القرآن الكريم لما قال: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى} [التوبة: 108] والآية الأخرى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} ليست القضية في اتجاه الجسد إلى جهة جغرافية، {وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} ثم قال: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} [البقرة: 177].
ما الفرق بين البِر والتقوى؟
البِر: فعل الخيرات، وأداء الطاعات، وعمل القربات.
أما التقوى: فترك المنكرات، وضبط الشهوات.
إذا كان لديك من المال، فأنت قادر على العطاء، وإذا كان لديك مزيد من الوقت، فأنت قادر على قضائه فيما تحب، ولكن الأهم من ذلك أن تكون من المتقين، ومفهوم التقوى كما أذكر وأؤكد أنه في ضبط النفس.
إذا كان لديك مالاً وعرض عليك الحرام، كيف تتصرف؟، وإذا لم يكن لديك مال وعرض عليك الحرام، فكيف تتصرف؟
لذلك كان القول: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى} [التوبة: 108]، وليس لمسجد أسس على البر، البِر عطاء يستطيعه كل أحد، أما التقوى في الامتناع عن الأهواء والشهوات وترك المحرمات، فلا يحسنها إلا الرجال.
كم من أناس معنا داخل المسجد، وفي قلوبهم حقد على إخوانهم.
كم من أناس في المسجد، وقلوبهم تحسد الآخرين على ما آتاهم الله من نعم.
كم من أناس في المسجد، ربما جاء الواحد منهم؛ ليترصد غيره، وليتربص به الدوائر.
كم وكم؟ ففتش نيتك واحرص على أن يكون دخولك للمسجد، دخول الأبرار، دخول المتقين، كي ينعكس هذا في سلوك حياتك.
لَمَّا أراد بعض الأشخاص في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، أن يبنوا مسجداً؛ ليؤدوا فيها، وسمي مسجد ضرار، لأنه الشكل أنه مسجد للصلاة، ولكن قصد من يريد بناؤه ألا يحضر الجماعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأُمر النبي عليه الصلاة والسلام بهدمه.
القضية ليس في أن نكثر العمران والبناء للمساجد، بقدر ما نكون حريصين على بناء الإنسان في هذا المساجد، {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ} [التوبة: 18].
عمارة المسجد: ليس فقط من خلال التبرعات المالية للجان التي تأتي لبناء الصروح، بل عمارة المسجد بأن تكون أيها المؤمن من المتقين.
دخلت بيت الله وقرأت كتاب الله فعلمت، فهل نفذت ما علمت.
دخلت بيت الله فتعلمت وتخلقت بأخلاق النبوة، هل بقي معك هذا التخلق في حياتك، أم إن حياة البيت لبعض المصلين أسوأ من الجحيم، أم إن البعض يهرب من البيت إلى المسجد، أم إن البعض الذي لا يجد عملاً يلجأ عند ذلك للمسجد.
صور كثيرة: "إنما الأعمال بالنيات"
المسجد في حياتك، مكان بناء إيمانك، أم المسجد في حياتك مكان تستريح فيه، وكأن البناء والتكييف يخرجانك من هموم الحياة وتعبها.
حرر وجودك في المساجد؛ ليكون هذا التحرير للنيات عند الله عزَّ وجل محسوباً في الطاعات والقربات.
أيها المؤمنون: جعل الرسول صلى الله عليه وسلم المسجد حياةً، هو للصلاة؛ نعم، هو للمشورة؛ نعم، هو للعلم؛ نعم، هو للحياة كلها بكل تفاصيلها؛ نعم، فلنعد النظر في أنفسنا إلى مساجدنا، ماذا نستفيد منها؟ وماذا نقدم فيها؟
أسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بالإيمان، وأن برفعنا بالإيمان، وأن يعلمنا كيف نتصرف مع بيوت الله، قال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} [الجن: 18].
اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
الخطبة الثانية:
عباد الله: من أسوأ المظاهر في المساجد، أن تجد بعض الذين يحضرون فيها، لا همَّ لهم إلا الإساءة لأنفسهم أولاً، إلا الإساءة للإسلام والمسلمين، فللمرة الثانية في هذا المسجد يأتي البعض أو أحد، وهذه مسؤولية الجميع أن نكشف هؤلاء المزيفين الكاذبين إلى لجنة جمع التبرعات، فيقول أريد أن أصرف الألف، أو أدفع القليل من الألف، وإذ به يضع عملة موزورة، ويأخذ المال الحقيقي.
هل أصبحت مساجدنا في حالة من التسيب، لدرجة أن لا نستطيع أن نضبط أعمال الناس فيها.
هل أصبحت مساجدنا مأوى للمزورين والكاذبين والخادعين والغاشين و...، وسلسلة القاموس في ذلك كثيرة.
بيت الله مبارك بكثرة الطاعات فيه، ويفقد قيمته يوم يخترق من قبل الكاذبين، فلنكن على حرص شديد، ودقة بالغة في كل تصرف يحصل في المسجد؛ لأن هذه مسؤولية الجميع، ليس مسؤولية فرد فقط.
المؤمنون كالجسد الواحد، يقال: في المسجد الفلاني روجت عملة مزورة، في المسجد الفلاني ظهر سارق، في المسجد الفلاني ظهر كاذب، لِمَا؟
أيها المؤمنون: عندما نقول أمر الله، اتقوا الله، فالتقوى ترك المحرمات، وضبط النفس عن الشهوات، والابتعاد عن الأهواء.
يا رب اجعل مساجدنا مليئة بالإيمان، ومنورة بنور القرآن، اجعلنا من أهل الإيمان، اجعلنا ممن تظلهم تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظله، "ورجل قلبه معلق بالمساجد".
اللهم آمين، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.