ما رأيك بخدمة البنوك الاسلامية

  • جيدة
  • متوسطة
  • سيئة

اشترك لتصلك تحديثات الموقع على بريدك الإلكتروني

اشترك لتصلك اخر التحديثات على هاتفك الجوال

الرجاء إدخال الرقم مسبوقاً برمز الدولة

حقوق الطفل في الشرائع السماوية

الخميس 05 شعبان 1431 / 15 تموز 2010

حقوق الطفل في الشرائع السماوية

محاضرة في جامع الصحابة الأبرار

2/8/1431هـ

13/7/2010م

لماذا نتحدث عن الحقوق؟

الحق: مقابله واجب.

الحق: مقابله واجب وتحمل مسؤولية وأداء واجب.

لما كان الطفل غير قادر على أداء المسؤولية وتحمل هذه المسؤولية، وأداء الواجب عليه، فإنه يحتاج للحديث عن حقه، حتى لا يغفل عن ذلك أهله وذويه والناس أجمعين.

بدأت بهذه المقدمة للتفريق بين حقوق الطفل، وبين ما يركز عليه ألسنة الناس من حقوق الزوجين.

لَمَّا نتحدث عن حقوق الزوجين، يعني أن هناك مشكلة، وعندما نتحدث عن  حقوق الطفل يعني أن هناك حل.

حقوق الزوجين كلمة غير صحيحة؛ لأنه في الأصل عندما يؤدي كل من الزوجين واجبه، يصل الحق إلى الآخر.

عند وجود التوازي والتكافؤ في العلاقة الاجتماعية والشراكة الزوجية، فلا حاجة للزوج أن يقول: ما هي حقوقي، نقول له: هل أديت واجباتك أنت.

كذلك عند التكافؤ والتعادل والمساواة، لا تقول المرأة ما هي حقوقي من قبل زوجي، نقول لها: هل أديت المسؤولية، هل تحملت الأمانة، هل أديت الواجب الذي عليك، إذا فعلت ذلك وصل الحق للآخر، فعندما نتحدث عن الحقوق يعني أن هناك جهة ضعيفة.

لِمَا نتحدث عن حقوق الطفل؟

الطفل طرف ضعيف يحتاج أن يتحاور معك من أجل حقوقه.

ماحقه؟ هل نبني مجتمعاتنا على أساس من التواصل والحب المتبادل والعقل والرحمة، فيما بيننا وبين الجيل الذي هو أمانة في أعناقنا، ومسؤولية نتحملها...؟

هل الأطفال يعاملون معاملة اللطف أم العنف؟

هل يعاملون معاملة التعليم أم التعنيف؟

هل يعاملون معاملة الحوار المفتوح أم إغلاق أي لغة للحوار، أنت صغير لا تتكلم هذا أكبر منك، إن أبناءنا خلقوا لزمان غير زماننا، وبالتالي عندما تحترم ولدك الصغير، فإنما تحترم نفسك أولاً. عندما تصغي إليه وتستمع ليعبر عما في قلبه الطاهر النقي، ليفكر بعقله، فإن بذلك تبني شخصية وتجعله متألقاً للمستقبل، ويقول: {رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء:24].

كلما ملأنا أبناءنا بالعطف والمحبة والعقل والحوار، كلما كانوا أبر بنا في باقي الأيام.

مثال: سواء كان في البيت مع الأطفال، أو في المسجد مع الأطفال، يلاحظ في بعض المساجد أن الأطفال يحرمون من دخولها أو يبعدون، ما ردت فعل هذا الطفل الذي يبعد إلى الوراء؟

قد يقول قائل: كان صلى الله عليه وسلم يصف الرجال ثم الصبيان ثم النساء، هذا الترتيب في سنته صلى الله عليه وسلم لما كان الجميع يعرفون الصلاة ولا يشوشون على بعضهم إذا اجتمعوا.

لو حرص الأب على ابنه أن يكون بجواره يرى حركته في الركوع والسجود، إلا إذا خصصنا لهؤلاء الأطفال من يرعاهم.

وهنا أقول إن أي إبعاد أو إخراج للطفل من المسجد، فإن الشارع بانتظاره ومقهى الإنترنت يرحب به، ورفقاء السوء يترقبونه، وهذا الطفل دخل بيت من بيوت الله مخافة عليه؛ لأن الأجيال ينظرون إلى من بعدهم نظرة ربما فيها استعلاء.

إذا أبدى الطفل على مائدة الطعام ملاحظة نسكته، و إن تكلم في سهرة نمنعه؟ لِمَا؟

لذلك عندما نتحدث عن حقوق الطفل، أن نعطي هذا الطفل من الأريحية في التعامل، ولو أخطأ نسدده ونعلمه، أما إذا منعناه من الحديث نوجهه في المنع، علينا أن نوجهه بعد التصرف والتكلم وإبداء رأيه.

سنأتي بأمثلة عبر الشرائع السماوية:

كل ما نزل من الله على الأنبياء وجمع، هو من الشرائع السماوية، يقول الله تعالى: { ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ} [الفتح: 29}، وقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} [الأعلى: 18-19]، وقال: { {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13].

إذاً لَمَّا نقرأ عن الطفل في القرآن الكريم فكأنما قرأناها في كل الشرائع السماوية، وسنأتي بنموذجين:

- علاقة الوالد مع ولده (سيدنا نوح عليه الصلاة والسلام مع ولده).

- علاقة الولد مع والده (سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع أبيه أو عمه).

لنجري المقارنة، ونحن نتبع الأنبياء ونعمل بهديه.

سيدنا نوح عليه الصلاة والسلام مع ولده.

الابن غير مستقيم، الابن كافر، كيف كان تصرف الوالد مع ولده { وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [هود: 40]، مشت السفينة بالمؤمنين، والولد يحاول النجاة من الغرق.

{ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ} الأب نبي رحيم، حتى في لحظة الغرق يريد له النجاة والفلاح { يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ} [هود: 42 ] ما ناداه باسمه، ناداه بلغة التحبب حتى يستجلب منه العاطفة إليه { يَا بُنَيَّ} هو خالف الأمر الإلهي، كيف ينادي؟ عاطفة الأبوة نحو ولده تجعله يصل إلى مرتبة يحاول فيها: يا {رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي} هود: 45].

ماذا كان تصرف الولد مع أبيه، لم يقل: يا أبت، { قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء} ، الأب باللطف والرحمة والمودة، والولد يريد الجبل والحجر يريد الماديات ، { قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ} استثناء لعل الله يرحم هذا الولد العاق الكافر، فيعود إلى رشده فيتوب وتقبل توبته، ولكن قضي الأمر ،{ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود: 43].

ما اكتفى سيدنا نوح {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ} [هود: 44]، لعله يؤمن، لعله ينجو، فكان الجواب الإلهي {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود: 45]، السبب: أخذ من أمه، التي لن تؤمن بالنبوة والرسالة [إن العرق دساس].

بالمقابل سيدنا إبراهيم مع أبيه أو عمه، سواء قلنا بالمعنى اللغوي أو المعنى المجازي؛ لأن العم أب.

كيف كان يتصرف سيدنا إبراهيم مع أبيه، الذي كان يصنع تماثيل لتعبد؟

بدأ بقول اللطف: {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} [مريم:43]، اللطف عند الابن: يا أبت، واللطف عند الأب: يا بني، الأب معاند، {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً} [مريم: 45] العذاب يأتي من الجبار القهار المنتقم، والرحمن والرحيم لا يعذب، يتجلى سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته في حال الرحمة ، وفي حال العذاب منتقم، يقول الأب: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً} [مريم: 46].

الأب في حال الكفر قسوة، والأب في حال الإيمان والنبوة رحمة، والابن في حال الكفر {سَآوِي إِلَى جَبَلٍ}، والابن في حال الإيمان { يَا أَبَتِ}.

بعد كل هذا الكلام، يقول النبي الرحيم: { سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} [مريم: 47].

ماذا لو حصل لأحد –لا قدر الله- أن يكون من أحد من هذين النموذجين؟

هل سيكون نموذج اللطف بالإيمان، أم نموذج العنف بالكفر؟

هل ستدعو لولدك بالخير في جوف الليل، هل ستدعو لوالدك وإن رأيته في غير طريق الحق؛ لتكون على طريق الأنبياء.

نموذجان في القرآن الكريم: تصرف الآباء مع الأبناء، وتصرف الأبناء مع الآباء.

نعود بالقول: لما كان هناك الطرف الأضعف، لا بد من معرفة الحقوق التي لها.

1-   حقه في الحياة: كم من أباء يقتلون أبناءهم قبل أن يأتوا، يكتفون بعدد معين.

الحق في الحياة: أن يكون لك ذرية صالحة متميزة بالإيمان والتربية.

الحق في الحياة: { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام: 151]، { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} [الإسراء: 31].

القتل بأمثلة واقعية: لَمَّا يستخدم الأب المال لأهوائه الشخصية، ويمنع الحليب عن ابنه؛ فهذا قتل، فالحق في الحياة: أن تعطي ابنك الغذاء الصحي على حساب نفسك، فالقتل: المنع.

إن بني إسرائيل يقتلون أبناءهم، ويقتلون أنبياءهم، وبعض المسلمون اليوم يقلدون بني إسرائيل في قتل الأنبياء، وإذ بهم يقتلون العلماء، والعلماء ورثة الأنبياء، وأحدهم يقول: ما أحد قتل المشايخ، نقول: عند منعهم عن قولهم كلمة الحق، ومنعهم التدريس، ومنعهم الخيرات, ومنعهم عن وسائل الحياة؛ فهو قتل.

عندما نشتري طعاماً وندفع ثمنه، وعندما نحتاج للعلم ونسأل الشيخ، ونتعلم منه، ويكون دون ثمن؛ فهذا قتل للعلم، قتل للعلماء.

فمفهوم قتل الأبناء، ليس فقط الوأد على قيد الحياة، كما كانوا يفعلون في الجاهلية.

 وأد البنات الآن: أن تحرمها من أن تتعلم، أن تحرمها من المسجد؛ لتنير قلبها بنور الله، وتتعلم أحكام الإسلام.

الحق في الحياة: أن يكون لي وجود، أن يكون لي قول، أن يكون لي فعل.

هذه بعض الحقوق ندخلها أثناء حديثنا عن علاقة الآباء بالأبناء في الشرائع السماوية.

نأخذ نموذج سيدنا إبراهيم وولده سيدنا إسماعيل عليهما الصلاة والسلام.

كيف ترون هذا الابن النبي سيدنا إسماعيل عليه الصلاة والسلام، وسيدنا إبراهيم النبي؟

فالعلاقة بين الوالد المؤمن والولد المؤمن، إذا كانت كعلاقة الوالد النبي مع ولده النبي، فما أجملها وما أحسنها وما أروعها.

أُمر سيدنا إبراهيم أن يجعل أهله {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ }، نفذ الأمر ثم فقال: { رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37].

هل كان اهتمامك بأبنائك بالدعاء { رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} [الفرقان: 74].

قبل أن تطلب من الابن الدعاء { رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء: 24] ، علينا أن ندعو نحن الأول الآباء والأمهات { رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} [الفرقان: 74]، عند ذلك سيقول: { رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء: 24].

لما بلغ سيدنا إسماعيل السعي، وزاره سيدنا إبراهيم في مكة، وقد رأى أنه أُمر بذبح ولده، قال بخطاب التحبب: { يَا بُنَيَّ}، اسأل نفسك كيف تنادي ابنك، بأي خطاب، خطاب الاستعلاء والترهيب وبألقاب شيطانية (لقبوا أبناءكم قبل أن تلقبها الشياطين)، أم بخطاب التحبب واللطف، كما يقول سيدنا إبراهيم: { يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}، الأب يستشير ابنه بأمر إلهي، والابن ممكن أن يتحيل ويقول أضغاث أحلام، ولا داعي للتنفيذ، قال الابن: { فَانظُرْ مَاذَا تَرَى}.

من منا يفعل ذلك؟ يا بني الله أمرنا بالصلاة ما رأيك؟ أم أنك فقط تقول الحديث: "واضربوهم عليها وهم أبناء عشر"، ويجيب الابن باللطف: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102].

هذه علاقة الآباء مع الأبناء في القرآن الكريم.

كيف نحبب الابن بالإسلام؟ كيف نقربه بالإيمان؟ كيف نجعله يتشرب هذا الدين العظيم؟ بالقهر والقسوة، أم باللطف والمحبة.

الأب ممكن يتعلق بالابن كثيراً، فيقال: هذا الولد له شأن عظيم في المستقبل، فيغار الله سبحانه وتعالى، كما تعلق سيدنا يعقوب بولده سيدنا يوسف عليهما السلام، وحصلت القصة؛ لأن التعلق لا يكون إلا بالله سبحانه وتعالى.

لا تجعل كل همك واهتمامك بولدك وأنه سيكون كذا وكذا، وتنسى أنك بيد الله سبحانه وتعالى.

قصة سيدنا يوسف: الولد المحب لأبيه، والوالد المحب لابنه، قصة تجعلنا نضع نصب أعيننا أن أملك لا يكون إلا بالله سبحانه وتعالى.

لما حزن سيدنا أيوب الحزن الشديد، ثم التجأ إلى الله سبحانه وتعالى، رد عليه ابنه { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ} [يوسف: 100].

نموذج آخر من الأنبياء وحقوق الطفل:

- سيدنا يحيى مع والده سيدنا زكريا عليهما السلام، وسيدنا عيسى عليه السلام مع والدته مريم.

سيدنا يحيى عليه السلام: { يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً} [مريم : 12]، منذ صغره عنده تألق، عنده حكمة، عنده حسن تصرف { خُذِ الْكِتَابَ}، أي التزم بما جاءك من أمر الله سبحانه وتعالى، نداء لكل مؤمن، التزم لما أنت فيه، واحرص على تنفيذ أوامر الله سبحانه وتعالى { وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً، وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً، وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً، وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً} [مريم: 12-13-14-15].

-   سيدنا عيسى عليه السلام: { يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً، فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً، قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً، وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً، وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً، وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} [مريم: 28-29-30-31-32-33].

المقارنة: سيدنا يحيى عنده أبوين، {وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً} [مريم: 14]

         سيدنا عيسى عنده أم، { وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} [مريم: 32]

ما الفرق بين العصيان والشقاء؟

عند وجود أب وأم وأخطأ الولد، الأب يخرجه من العصيان، أم عند وجود الأم فقط، فبعاطفتها ورحمتها، وأخطأ الابن، غضبت عليه فوقع في الشقاء.

في العصيان فيه توبة، في الاستعصاء فيه إصلاح، أما الشقاء، فمن شقي فلا يعود إلي.

كيف نمنع العصيان والشقاء عن أولادنا؟

بتقديم الخير لهم، وأحسن أدبهم، وتعويدهم المساجد، ومجالسة العلماء، ومصاحبة أهل التقوى، ونذكرهم إذا نسوا، منعنا عنهم العصيان.

وعندما تكون الأم مستعجلة بالدعاء على ولدها، يقع في الشقاء، فانتبهي يا أم وانتبه يا أب إذا أخطأ ابنك احضنه واستوعبه، وإلا إذا تركته وقع في العصيان والشقاء.

- سيدنا داود وسيدنا سليمان عليهما السلام: ملكه الله سبحانه وتعالى {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} [البقر: 251]، { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل: 16]، وسيدنا داود حكم في القضاء {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] سيدنا داود حكم وقضى، لكنه اجتهد فلم يصب، للمجتهد أجران إذا أصاب، وللمجتهد أجر إذا أخطأ، فاستأذن سيدنا سليمان بأدبه ولطفه، وقال: يا نبي الله الحكم غير ذلك، قال تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} [الأنبياء: 79].

درس في القرآن، قد يكون عند ابنك من المعارف والإدراك أكثر منك، اسمع له {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} نموذج حي أن يسمع الأب لابنه، ويستجيب له وينقض الحكم السابق.

علاقة الآباء مع الأبناء بهذا المستوى من التفاهم، تكون أديت الواجب نحو ابنك وأعطيته حقه.

أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحفز أصحابه، فسألهم سؤال: "إن شجرة لا تسقط أوراقها تشبه المؤمن، فما هي" عرف الجواب عبد الله بن سيدنا عمر رضي الله عنهما، لكن من أدبه ما تكلم، وعجز الصحابة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "النخلة"، قال ابن سيدنا عمر: يا أبت علمت أنها النخلة، قال: لو أنك تكلمت لكان لي كنوز الدنيا.

أعطه فرصة لابنك، لا تمنعه من الحديث، قد يوصلك إلى أفكار ومعارف لا تكون عندك.

- سيدنا لقمان الحكيم: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ} هذه الوصايا اقرأها تعلمها وعلمها لابنك ويحفظها { لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]، رسخ العقيدة والإيمان في قلبه، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما اركب ابن عمه عبد الله بن عباس خلفه قال: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف".

كلام قد يكون صعب على فهم الكبار، ولكنه سهل على حفظ الصغار، ولو لم يدرك معانيها في صغره، امتثلها في كبره.

{وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ...} [لقمان: 14]، {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان:15]، في كل خطاب يا بني { يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ{16} يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ{17} وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ{18} وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ{19} [لقمان]. يزرع فيه القيم والأخلاق، يعلمه عظمة الله كيف تتجلى في خلقه، القادر على كل شيء، الحي القيوم التي لا تأخذه سنة ولا نوم.

هل عندنا جلسات لأبنائنا، دروس بالإيمان، دروس بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم، نذكرهم بالنعم.

أختم بوصية لقمان لابنه: يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحي القلوب الميتة بنور العلم، كما يحيي الأرض بكرامة السماء، والحمد لله رب العالمين.