ما رأيك بخدمة المصارف الاسلامية

  • جيدة
  • متوسطة
  • سيئة

اشترك لتصلك تحديثات الموقع على بريدك الإلكتروني

اشترك لتصلك اخر التحديثات على هاتفك الجوال

الرجاء إدخال الرقم مسبوقاً برمز الدولة

دور الدين في المجتمع الإنساني

الثلاثاء 16 ربيع الثاني 1431 / 30 آذار 2010

 دور الدين في المجتمع الإنساني

 

إن قيمة الدين في المجتمع الإنساني، أنه يوفر للإنسان القاعدة الفكرية السليمة والحكيمة في حسن التعامل بين الإنسان وأخيه الإنسان.

فالله هو رب الوجود كله، الذي يتطلع إليه الإنسان في كل أوضاعه، ليمنحه القوّة في مواطن الضعف، وليرعاه في كل أموره، فلا يحس بالضياع، ولا يشعر بالقلق أمام الكون في علاقته بحركته ووجوده.

وبهذا يمتد الإحساس بهذه الوحدة إلى داخل المجتمع الإنساني الذي يعيش كل أفراده في نطاق الرابطة الإنسانية التي تجمع كل تنوّعاتهم في وحدة داخلية في إنسانيتهم التي يلتقون عليها، وفي دورهم الذي يتكاملون فيه.

ولذلك لا يمثل التنوع تبايناً، بل تكاملاً في الخصوصيات، بحيث ينضم بعضها إلى البعض الآخر من أجل إنتاج القضايا الكلية في مسار الإنسان.

وهذا هو الذي عبر عنه القرآن الكريم في تأكيده على وحدة عنصر الخلق وتنوّع خصائص الإنسان: ﴿يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا..﴾ [سورة الحجرات: 13].

فالتنوع هو الوسيلة الفضلى للتعارف، باعتبار انجذاب الإنسان إلى الإنسان الآخر في حاجاته إليه، من خلال ما يملكه من طاقات فاعلة تؤثر في حياة الإنسان الآخر إيجاباً، فيدفعه ذلك إلى إيجاد العلاقة به من أجل الحصول على ما لديه من هذه الحاجات.

وإذا كان الإسلام يركّز على العلاقة الإنسانية في دائرة التعارف الحيوي في الحاجات، فإنه يثير الجانب الحركي في هذه العلاقة، ليدعو المؤمنين والمؤمنات إلى التعاون على البر والتقوى؛ بحيث يتكامل الجميع في تحقيق هذين العنوانين الكبيرين في الواقع، اللذين يمثلان الخير كله في علاقة الإنسان بالإنسان، وفي المفاهيم الأصيلة في الإيمان والعدل والتكافل الاجتماعي، والمراقبة المنفتحة على الله في دائرة السلوك الفردي والاجتماعي للإنسان على أساس الضوابط الروحية والعملية، وليبعدهم عن التعاون على الإثم والعدوان اللذين يمثلان الشرّ في نطاقه الفكري والحركي، وقهر الإنسان الآخر في كل أبعاده وأوضاعه.

ويمتدّ الفكر الديني ليرى في العدل قيمة إنسانية وأن قضية الدين هي قضية عدل، فلا دين بلا عدل، في جميع تطلّعات الإنسان وقضاياه، حتى أنَّ العدل لا يقف عند المتدين، بل يلتقي بالمؤمن والكافر معاً، فلا يجوز للمؤمن أن يظلم الكافر مهما كانت درجة كفره.

ومن هنا نجد الإسلام يؤكّد على رفض الركون إلى الظالم، والسكوت على فعل المنكر وترك المعروف، ما يجعل للرقابة الاجتماعية دوراً إلى جانب الرقابة الرسمية.

والدين - في بُعده الإيماني - ينفتح على عالم آخر؛ عالم الحياة والموت، فلا يضيق الإنسان ذرعاً بالمشاكل الصعبة في حياته، ولا يتعقد من أيّة حالة سلبية ذاتية بفعل ما يقدمه للآخرين من المؤاساة والمساعدة حتى الإيثار؛ لأن ذلك يختزن في مستقبل الدنيا تارة، وفي مستقبل الآخرة تارة أخرى، نوعاً من التعويض الإلهي بما يوفره للمؤمن من النعم الوافرة في الحياة، ومن الثواب الجزيل بعد الموت، ما يبتعد به عن كل المشاعر المضادَّة أمام تحديات الواقع.

وبالتالي فالإنسان المؤمن يتحسس السعادة في وجدانه، وهو في قلب الألم، ويرتاح للواقع في سلبياته، كما يرتاح له في إيجابياته؛ لأن المسألة في حساباته، ليست مسألة الذات، بل مسألة القيمة.

فهي التي تؤكد إنسانيته في أعماق المعاناة، ولعل من الطبيعي أن يوفر ذلك كله نوعاً من أنواع الراحة النفسية للإنسان الفرد في حياته الخاصة، وفي حياته الاجتماعية، بحيث ينفتح على الواقع القيمي بكل راحة وطمأنينة.

وهناك جانب آخر مهمٌ في الدين، وهو السموّ الروحي الذي ينطلق بالإنسان إلى آفاق الله، خالقه وخالق الكون، ليتعبد له في إحساس الخضوع لربوبيته، في حالة وجدانية يمتزج فيها الرجاء من خلال النعمة، بالخشية من خلال العظمة.

وهكذا يقف الإنسان المؤمن أمام كل المتغيرات والهزات الواقعية في هدوء عقليّ وشعوريّ وطمأنينة نفسية؛ لأن كل شيء خاضع للتخطيط الإلهي ﴿ إنّا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [سورة القمر: 49].

﴿إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكلِّ شيءٍ قدراً﴾ [سورة الطلاق:3]

وبذلك فإن المجتمع الإنساني لا يشعر بالإحباط والسقوط وانعدام الوزن أمام أية تقلبات وتحولات؛ لأنها ليست جنوناً في حركة الحياة، بل هي حركة عاقلة في دائرة سنن الله في الكون والإنسان، بحيث يمكن للاجتماع الإنساني أن يراقبها ويرافقها ضمن وعيٍ لأوضاعها ودلالاتها وقدرةٍ على التعامل معها بواقعيةٍ واتزان.

معالجة التوازن بين الفرد والمجتمع:

والدين هو الحالة الوجدانية التي تقيم التوازن بين الفرد والمجتمع من خلال نظام القيم والمعايير، وتؤكدها في وجدان الإنسان لتمتد إلى صعيد الواقع، فيشعر الفرد بأن عليه أن يقدم من نفسه ومن حريته شيئاً للآخر في حاجاته الحيوية وفي قضاياه الخاصة والعامة.

ويرى أنه يحمل مسؤولية طاقته، باعتبارها جزءاً من طاقة المجتمع التي اؤتمن عليها من قبل الله، فلا بد له من أن يقدّمها له، ويحرّكها في مصالحه، سواء كانت مالاً، أو علماً، أو قوةً، أو أيّ شيء آخر، ولا يستغلها لحسابه الخاص، وإلاّ كان سارقاً وغاصباً ومعتدياً على الشأن العام.

وهكذا تتسع مسؤولية الفرد، لتشمل القيام بمهمة حماية السِلم الاجتماعي من نفسه ومن غيره، "فالمسلم من سلم الناس من لسانه ويده".

وهذا هو الذي يؤكده معنى جهاد النفس في الامتناع عن ظلم الآخر، وفي جهاد العدو لمنعه من ظلم المجتمع، بحيث يصل الأمر به إلى درجة التضحية بالنفس من أجل الآخر كواجب ديني حاسم.

إن القضية هي أن الدين وفي جانبه الأخلاقي والتشريعي، يحمّل الإنسان الفرد مسؤولية ما يحمله في داخله من عناصر القدرة على حماية المجتمع؛ لأنّ الشأن الخاص لا بد من أن يتحرك لحساب الشأن العام في ميزان القيمة.

ولا بد للمجتمع – في التخطيط المدني - من أن لا يقهر الفرد في ذاتياته وحاجاته الخاصة إذا لم تنحرف عن الخط المستقيم، فليس له سلطة عليه إلا في نطاق النظام العام.

ومن هنا، يؤكد الدين ضرورة وجود الحرية الفردية، فلا سلطة لإنسان على إنسان، ولا لقوة اجتماعية على حالة فردية، إلا في نطاق القانون الذي يحدد للجميع الحقوق الفردية والاجتماعية، مما يدخل في حساب توزيع الوظائف والمسؤوليات التي لا حقَّ لأيّ إنسان أن يتجاوزه ليتدخل في شؤون الإنسان الآخر.

فلا مجال للتمرّد والعدوان والانحراف، لأن النوازع الذاتية الخاصة لا حرية لها - من جميع الجهات - في الإساءة إلى الواقع الفردي للإنسان الآخر أو للمجتمع كله.

فإذا تجاوزته كانت مسؤولةً أمام الله في الدنيا والآخرة لتواجه الحساب الدقيق والعقاب الصارم، بالإضافة إلى مسؤوليتها في الدنيا في دائرة النظام العام للمجتمع في قيادته العامة.

إنَّ الدين يضع الضوابط الاجتماعية التي تعمل على إدارة الأمر بطريقة إنسانية واقعية، بحيث تندفع إلى معالجة المشاكل الطارئة في نطاق الفرد والمجتمع، ليبقى التوازن العام في حركة القيم التي يختزنها الجميع في معنى الإيمان ويتحركون من خلالها في معنى المسؤولية، فيلتقي الوازع الداخلي بالوازع الخارجي في إقامة القاعدة العامة الضابطة للواقع كله في حدود الإمكانات الواقعية للانضباط الإنساني.

إنَّ للدِّين نوعاً من التركيز على وعي الإنسان لنفسه في تاريخ الوجود منذ بداية خلقه، فليس - هو – شيئاً ضائعاً حائراً في ضبابية وجوده، بل هو وجود يملك تاريخاً ممتداً في الماضي، فهو جزء من مسيرة إنسانية كبرى تؤثر فيه وتصنع له ذاكرة تاريخية تحدّد له إرثه الإنساني منها، وهو - بعد ذلك - يصنع تاريخاً جديداً من خلال جهده، عن طريق المستقبل الذي يصنع قاعدته وجذوره وأبعاده وامتداداته في مسؤوليته عن صنع التاريخ الجديد للحياة في الثقافة والسياسة والاقتصاد والحركة الواقعية على مستوى الأهداف والتطلعات.

وعلى ضوء هذا؛ فإن الدين يحدّد للإنسان وظائفه الفكرية والعملية، بحيث يستشعر بأنه جزء من النظام الكوني في وجوده، وفي الترابط الوجودي بالإنسان الآخر في القضايا التي تتوقف عليها المسؤوليات الاجتماعية.

ويبقى للحرية الفردية والاجتماعية في المسألة الدينية دورها الفاعل في الاجتماع الإنساني، من خلال المبدأ الديني الإنساني الذي يؤكد أن لا سلطة لإنسان على إنسان إلا من خلال الحقوق، التي قررها الله للإنسان في علاقته بالإنسان الآخر، أو من خلال العقد الاجتماعي بينه وبين أفراد المجتمع الذي يعيش معهم.

هذه هي الإيجابيات في الفاعلية الدينية.

في المقابل، ولاستكمال الصورة، نتوقف عند بعض ما يثار من سلبيات حول وظيفة الدين:

ربما يأخذ البعض على الانتماء الديني أنه قد يتناقض مع تكوين هويات أخرى ضرورية قد يقتضيها الواقع، ذلك أن التركيبة المجتمعية في غالب الأحيان لا تقوم بالضرورة على هوية دينية، فقد تقوم على هوية أثنية أو عرقية أو ثقافية، وقد يصبح الانتماء الديني عامل تقسيم وتشرذم، خصوصاً داخل المجتمعات المتعددة الشرائع السماوية، وفي ظروف اجتماعية وتاريخية محددة قد يؤدي العامل الديني إلى صراعات أهلية خطيرة تهدد وحدة المجتمع الواحد ككيان حضاري وسياسي.

ونلاحظ على هذه المقولة: أن الانتماء الديني، في مفهوم الإسلام على الأقل، لا يتناقض مع تكوين هويات أخرى، إذا لم تتناقض في مضمونها الفكري والتزامها العملي مع الدين.

بل إن الدين يؤكد للإنسان هويته المجتمعية في نطاق الشعب الذي يعيش بينه، أو القبيلة التي ينتمي إليها، وهذا هو قوله تعالى: ﴿وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا﴾ [سورة الحجرات: 13].

فليست هناك أية مناقضة مثلاً بين الهوية العربية للإنسان والهوية الإسلامية، كما هي الهوية القبلية والهوية الوطنية؛ لأن الهويات النسبية والجغرافية ونحوها تمثل دوائر متداخلة بالهوية الدينية.

أما الحديث عن أن الانتماء الديني قد يصبح عامل تقسيم وتشرذم، وسبباً لصراعات أهلية خطيرة تهدد وحدة المجتمع، فنسجّل على ذلك:

أولاً: أن المسألة في التقسيم والتشرذم والصراعات الأهلية الخطيرة، ليست مسألة الخصوصية الدينية في الانتماء، بل هي مسألة العصبية في الإحساس الضيق بالانتماء، مما قد يتمثل بالدين أو بالعرق أو بالقومية أو حتى في الحزبية أو العائلية، وهذا هو ما تفسره الحروب والنزاعات المتنوعة في هذه الخصوصيات الإنسانية.

ثانياً: إن الأخلاق الدينية القائمة على أساس العنصر الإنساني في أجواء القيم تخفف الكثير من العصبية، لتحوِّل الإنسان المتدين إلى إنسان منفتح ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ [سورة آل عمران: 64].

فإن إيحاءات هذه الآية تؤكد مسألة الاعتراف بالآخر والتعايش معه على أساس الأرض المشتركة، ومن كلمة الإمام علي t: ((الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق)).

ثالثاً: إن الإسلام في تعامله مع أتباع الشرائع السماوية (أهل الكتاب) قد استطاع أن يؤكد التجربة الإنسانية في تأسيس المجتمع المتنوع الذي يعيش فيه أتباع الشرائع جنباً إلى جنب، من دون أية خطوة سلبية من بعضهم ضد الآخر.

وإذا كانت قد حدثت بعض المشاكل في هذه الدائرة فإنها لا تختلف عن المشاكل في الدائرة الواحدة في خصوصياتها وتنوعاتها الذاتية.

ولو درسنا مثل هذه الصراعات الحادة، لرأينا أنها - في غالبيتها - ترجع إلى عوامل سياسية أو عرقية، تلبس ثوب الدين؛ تمويهاً وتزييفاً.