ما رأيك بخدمة المصارف الاسلامية

  • جيدة
  • متوسطة
  • سيئة

اشترك لتصلك تحديثات الموقع على بريدك الإلكتروني

اشترك لتصلك اخر التحديثات على هاتفك الجوال

الرجاء إدخال الرقم مسبوقاً برمز الدولة

الاقتصاد في الإسلام والتكافل الاجتماعي

الثلاثاء 13 جمادى الثانية 1431 / 25 أيار 2010

الاقتصاد في الإسلام والتكافل الاجتماعي

جـاء الإسلام بمنظور شامل للكون والإنسان والحياة، ليجعل من هذه العناصر نظاماً متكاملا هدفه الأساسي تكريم الإنسان وتحقيق إنسانيته الكاملة ماديا وروحياً، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70]

ومن أجل ذلك دعا الإسلام إلى تسخير كل الإمكانيات وكل السبل للقضاء على الآثار المدمرة للمجتمع ألا وهي ثلاثية الجهل والجوع والمرض، فأقام مجتمعا قائما على قاعدة صلبة من القيم ينبثق عنها نظام اجتماعي يجعل من سعادة الإنسان وكرامته هدفه الأول.

ودعا الإسلام إلى عبادة الله عزّ وجل وإلى القيم والمثل الخلقية الرفيعة ونظم علاقات البشر بعضهم مع بعض، وجعل التكافل بين المسلمين والرعاية الاجتماعية نوعاً من أنواع العبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه.

تعريف الاقتصاد:

إن المراد بالاقتصاد في الفكر المعاصر هو العلم الذي يحكم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي تنشأ بين أفراد المجتمع من خلال إنتاج السلع والخدمات وتوزيعها؛ إشباعاً لحاجات الإنسان.

فإشباع حاجات الإنسان المادية هو هدف الاقتصاد.

وقد اشتمل الإسلام في تشريعاته وتوجيهاته على معالجة شؤون الحياة، ومنها المسائل الاقتصادية، حيث عني بها وسيلة من وسائل الحياة الكريمة التي ترقى بالإنسان.

الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي

لكل اقتصاد سماته الأساسية، والاقتصاد الإسلامي نظام جامع لكل مرافق الحياة.

وتبرز جزئيات الاقتصاد الإسلامي المكوِّنة لهيكله العام على النحو التالي:

1- الملكية المزدوجة: فالإسلام يُؤمِن بالملكية العامة، والملكية الخاصة، وملكية الدولة، ويُخصِّص لكل شكل منها حقلاً تعمل فيه.

2- الحرية المقيدة: يسمح الإسلام للإنسان بحرية في النشاط الاقتصادي مقيَّدة بحدود من القيم الأخلاقية.

3- يهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية: والنموذج الإسلامي للعدالة الاجتماعية يحتوي على مبدأين أساسيين:

آ- التكافل العام.

ب- التوازن الاجتماعي.

4- يتصف بالعالمية:

لا يفرق بين فرد وفرد، أو بين شعب وآخر، فهو دين للإنسانية جمعاء، واقتصاد عام لكل البشر.

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} [النساء: 135]، وقال الله عز وجل: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8].

5- يتسم بالواقعية: فلا تحليق في خيالات وفلسفات، ولا اصطدام مع الفطرة البشرية [الشيوعية].

والتفاوت في الأرزاق للتسخير، وليس للتكبر والاستعباد [الرأسمالية].

وتبدو واقعية الاقتصاد الإسلامي في نظرته للفرد، المستمدة من إمكاناته وظروف بيئية، فلا يحمّله من التكاليف إلا مايطيق، يقول الله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، ويقول الله عز وجل: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7].

فالإسلام لا يطلب من الإنسان أكثر مما في قدرته، ومن هنا فالأوضاع الاقتصادية يجب أن تكون محكومة بواقع الإنسان،

فالقادر على الكسب يجب عليه العمل والسعي، ولا يُقبل منه التعطل.

والعاجز يُقَدَّم له العون في حالة إخفاقه، وتُؤمَّن له الفرص في أن يحقق لنفسه حياة عزيزة بعيدة عن المذلة والمسكنة.

والواقعية لا تعني أن يبقى المسلم في الحدود التي بدأ منها، وأن يستكين لما هو عليه، بل الإسلام يحضه على سلوك سبل المعالي، ويدفعه ليرتفع بنفسه فوق السفاسف، ويرشده إلى أن: "اليد العليا خير من اليد السفلى"، وأن: "المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف".

6- يرتكز على المرونة: فالإسلام ثابت والحياة متطورة، وينبغي أن يندمج المتحرك مع الثابت. والإسلام قادر على قيادة الحياة وتنظيمها.

والإسلام لا يأبى الاقتباس من الآخر فيما لا يتعارض مع خصائصه الذاتية، ولا ننسى أن الاقتباس مشروط بتأكد صلاحه وثبوت نفعه، وضرورة توافقه مع المصلحة الشرعية.

7- الاقتصاد الإسلامي اقتصاد عقيدي:

و يكون لسان حال المسلم فيه: آمنا بما أنزل الله على رسوله، ويعمل بمقتضى تعاليم الإسلام، فلا يجوز أن يقوم الاستثمار الصناعي أو الزراعي أو التجاري على أساس محرَّم، والمسلم الملتزم - وإن كان بنظر غيره قد فوّت بعض المنافع الدنيوية - فإنه في الحقيقة حقق أكبر قدر ممكن من المنافع الدينية، إذ يربح سلامة نفسه في الحال، وسلامة نفسه ومجتمعه في المآل، يقول الله تعالى:  {وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [النحل:41].

8- الاقتصاد الإسلامي اقتصاد بَنَّاء:

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له"، ويتفرع عن هذا الأصل تحريم البطالة - وإن كانت عن ظهر غنى - لأن العمل مطلوب، والبطالة إضاعة لجهود الإنسان وقدراته وطاقاته، وينشأ عنها فراغ يولِّد مفاسد، والإسلام حريص على سدّ باب المفاسد ودرء أخطارها.

9- الاقتصاد الإسلامي اقتصاد أخلاقي: يصف بعض الاقتصاديين الاقتصاد بأنه علم محايد، ولا صلة له بمباحث الأخلاق.

أما في الاقتصاد الإسلامي - باعتباره جزءاً من أصل العقيدة الإسلامية فلا يمكن فصل المعاملات الاقتصادية عن الإطار العام للتشريع الإسلامي.

تعريف التكافل الاجتماعي:

عرفت الموسوعة العربية العالمية التكافل الاجتماعي في الإسلام بأنه:

أن يكون الأفراد في كفالة جماعتهم ينصر بعضهم بعضاً، وأن تكون كل القوى الإنسانية في المجتمع متلاقية في المحافظة على مصالح الأفراد، ودفع الأضرار عنهم، ثم المحافظة على البناء الاجتماعي وإقامته على أسس سليمة.

وهذا التعريف لا شك أن مفهومه مستمد من الحديث النبوي الشريف الذي يقول: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"(1).

ولضمان التكافل في الأمة أسس الإسلام في نفوس أبنائه استشعار علاقة الأخوة فيما بينهم، المستوحاة من قوله تعالى: {إِنمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، وبما تقتضيه الأخوة من الإيثار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"(2).

إن الناس إذا توافرت لهم كفايتهم وكفاية من يعولونهم استطاعوا أن يطمئنوا في حياتهم ويتجهوا بالعبادة الخاشعة إلى ربهم الذي أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف.

إن شعور الفقير أنه ليس ضائعاً في المجتمع وان مجتمعه يرعاه ويهتم به كسب كبير لشخصيته وزكاة لنفسه وهذا الشعور نفسه ثروة لا يستهان بها للأمة كلها.

ولقد بالغ الإسلام في التحذير من إهمال الفقراء إلى الحد الذي جعله سبباً في براءة ذمة الله سبحانه وتعالى، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، من الجماعة البشرية التي تسقط في مستنقع هذا الخلل الفاحش في علاقات الاجتماع.

وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما أهل عرصة (أي مجتمع، صغيرا كان أم كبيراً)، أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم الذمة"(3).

وعن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم"(4).

أي: إن الفردية والأثرة وقطع الروابط الاجتماعية مع الناس تخرج صاحبها من زمرة الإنسانية! فالتكافل الاجتماعي هو “اللحمة” التي تصل الفرد بجنس الإنسان ومعنى الإنسانية.

وفي التعبير عن هذا المعنى الإنساني والاجتماعي، جاء التصوير النبوي لهذا التكافل الذي يجعل الأمة جسدا واحدا حيا رغم تفاوت أعضاء هذا الجسد في الحجم والتأثير والإمكانات والاحتياجات.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"(5).

لقد دعا الإسلام إلى العدل والبر والحلم وعمل المعروف ومساعدة الفقراء وإغاثة الملهوف وعيادة المريض والتصدق على المحتاجين والمسح على رأس الأيتام وغيرها من الأخلاق والقيم التي تؤسس لنظام اجتماعي متوازن.

قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأسِ، أولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].

إن مفهوم التكافل الاجتماعي في الإسلام واسع، لا يقتصر على الجانب المادي، بل يشمل أنواعاً كثيرة مختلفة منها:

التكافل الأدبي، وهو أن يشعر الإنسان باحترام الآخرين له وحبه لهم، والتعاون معهم في جميع المجالات، وقد دعا النبي إلى هذا في أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"(6).

وقد سبق حديث: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"(7).

التكافل الدفاعي، وهو مسؤولية الأفراد عن مستقبل أمتهم ووطنهم، كما يجب على كل فرد في المجتمع الإسلامي، أن يسهم في الدفاع عن بلاده ضد الأعداء، قال تعالى: {انفروا خفافاً وثقالاً} [التوبة: 41].

التكافل الجنائي، ويتمثل في أن الإسلام أوجب الدية في القتل الخطأ على العشيرة، والأصل أن تَبِعة جناية الشخص تقع على نفسه.

لكن القاتل هنا في حالة القتل الخطأ لا يُسأل، لأن سوء النية وقصد القتل لم يتوفرا.

ولا يمكن أن يُهدر دم المقتول في جميع الظروف، فكانت المصلحة أن تشترك عشيرة القاتل في دفع الدية عنه تكافلاً وتضامناً.

وعن التكافل الجنائي ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم في معرض الحديث عن القتل الخطأ: أن امرأتين من هذيل اقتتلتا، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول الله بدية المرأة على عاقلتها"(8).

التكافل الأخلاقي، وهو مسؤولية المجتمع الإسلامي بجميع أفراده عما يصدر من هؤلاء الأفراد من تصرفات تسيء إلى المجتمع وقيمه ومقدساته، ولذا أوجب الإسلام على الجميع أن يكونوا حراساً على المجتمع، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"(9).

وقال: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً"(10).

التكافل الاقتصادي، وهو أن يشعر الأفراد بواجبهم نحو أفراد مجتمعهم، فلا يقْدِمون على التصرفات التي قد تلحق الضرر بالناس كالغش في المعاملات، والتطفيف في الكيل.

قال تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [المطففين: 1-3].

واحتكار الأقوات الضرورية التي يحتاج إليها الناس، واستغلال حاجة المحتاجين لإجبارهم على التعامل بالربا، وغير ذلك من التصرفات التي حرمها الإسلام، لأنها تُلحق أضراراً كبيرة بالناس.

كما يوجب هذا النوع من التكافل أن تتدخل الدولة عند الحاجة فتمنع كل تصرف يلحق الضرر بالناس، كما يجب عليها التدخل في الأسواق عند الحاجة لتحديد الأسعار.

التكافل المعيشي والمادي، ولقد وضع الإسلام للتكافل نظماً بعضها فرائض وأركان، وبعضها واجبات أو مندوبات.

وتتمثل في الحقوق التي فرضتها الشريعة الإسلامية للفقراء والمحتاجين في أموال الأغنياء، ويشمل هذا الجانب: الزكاة والنذور والأضحية والكفارات والصدقات.

كما يتحقق هذا الجانب بما هو مشروع على سبيل التطوع؛ كالوقف والوصية والهبة والعارية.

والمال في الإسلام كله للأمة تحفظه اليد المستخلفة فيه وتنمّيه ثمَّ تنتفع به كلها، وما اليد المعطية واليد الآخذة إلا يدان لشخصية واحدة كلتاهما تعمل لخدمة تلك الشخصية، فلا خادم فيها ولا مخدوم، وإنما هما خادمان لشخصية واحدة هي شخصية المجتمع الذي لا قوام له ولا بقاء إلا بتكافل هاتين اليدين للحفاظ على خيره وبقائه.

في تراثنا الإنساني وبحضارتنا الإسلامية، صياغات اجتماعية بلورت الأفكار الجوهرية لفلسفة الإسلام في التكافل الاجتماعي، الذي تميزت به فلسفة الاستخلاف الإلهي للإنسان ـ مطلق الإنسان ـ في الثروات والأموال.

ومن هذه الصياغات، قول الفاروق عمر بن الخطاب: (والذي نفسي بيده، ما من أحد إلا وله في هذا المال حق، أُعطيه أو مُنعه، وما أحد أحق به من أحد.. وما أنا فيه إلا كأحدهم.. فالرجل وبلاؤه، والرجل وقِدَمُه، والرجل وغَنَاؤه، والرجل وحاجته).

ومن كلام الإمام علي بن أبي طالب: (إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما مُتِّع به غني، وإن الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة، وإن المُقِل غريب في بلدته).

ومن بنود التكافل الاجتماعي: حقوق الجار.

حيث أمر الإسلام بالإحسان إلى الجار، فقال الله عز وجل في محكم كتابه: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} [النساء: 36]

ففي نص القرآن الكريم: جاء ذكر الجار بعد ذكر الوالدين، والأقربين.

فعَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ(11).

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ"(12).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به"(13).

فلو تفقد كل منّا جاره، لكان هذا التفقد، وهذه المواساة، وذاك الإحسان نوعاً من أرقى أنواع التكافل الاجتماعي.

الإسلام كفّل الأقرباء بعضهم ببعض، وكفل الجيران بعضهم ببعض، فإما أن يكون قريبك نسباً، وإما أن يكون قريبك مكاناً.

وعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ"(14).

العلماء قالوا: ليس في هذا الحديث ما يشير إلى أن هؤلاء الجيران فقراء، قد يكونوا أغنياء، لكن هذا التواصل، وهذا التهادي، وهذا العطاء مما يمتّن العلاقة بين الجيران.

ربما الجار الصادق إذا كان محسناً إلى جيرانه، أعانهم، أعطاهم، أهداهم، أكرمهم، حلّ بعض مشكلاتهم، وتكفّل ببعض حاجاتهم، وحلّ عسير عقدهم.

ولعل هذا الجار ـ بأخلاقه الرفيعة، وبإحسانه الجزيل ـ يجذب كل جيرانه إلى الاستقامة على أمر الله، وإلى طاعة الله، وإلى التوبة النصوح.

والتكافل الاجتماعي في الإسلام ليس معنياً به المسلمين فقط بل يشمل كل بني الإنسان على اختلاف مللهم واعتقاداتهم داخل ذلك المجتمع كما قال الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} [الممتحنة:8].

ذلك أن أساس التكافل هو كرامة الإنسان حيث قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء: 70].

والعلماء يقولون: (الجار له حقٌ على جاره، ولو كان مشركاً، والجار المسلم له حقان: حق الجوار، وحق الإسلام، والجار المسلم القريب له ثلاثة حقوق: حق الجوار، وحق الإسلام، وحق القرابة).

والقصة الشهيرة التي جرت مع الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى.

كان له جارٌ من أهل الكتاب، وكان سكّيراً، مغنياً، فكان يقلقه طوال الليالي، بعد أن يشرب الخمر، وتدور به هذه الخمر، ويمسك آلته ويغني، ويقول:

أضاعوني، وأي فتى أضاعوا

 إلى أن هذا الإمام العظيم افتقد هذا الصوت أياماً عديدة، فسأل عنه فإذا هو في السجن، فتوجه إلى المحتسب وشفع له، ويروي الكاتب هذه القصة أن ذنبه ليس حداً من حدود الله  شفع له، وأعاده إلى البيت، وزاره مهنئاً، وقال له: يا فتى هل أضعناك ؟

تقول أنت:

أضاعوني، وأي فتى أضاعوا

هذا القريب بهذا الشكل، بهذه المعصية، له حق على جاره، فكيف بالجار المسلم، فكيف بالجار المسلم القريب.

حق الجار:

إن استعان بك أعنته.

وإن استنصرك نصرته.

وإن استقرضك أقرضته.

وإن افتقر عدت عليه.

وإن مرض عدته.

وإن مات تبعت جنازته.

وإن أصابه خير هنأته.

وإن أصابته مصيبة عزيته.

ولا تستعل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه.

وإذا اشتريت فاكهة فاهد له؛ فإن لم تفعل فأدخلها سراً ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده.

ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها.


(1) رواه مسلم.

(2) رواه البخاري ومسلم.

(3) رواه أحمد، والحاكم وصححه.

(4) المعجم الأوسط، الطبراني، (7686)، 16/262، والمعجم الصغير، (908)، 3/48.

(5) رواه البخاري ومسلم.

(6) رواه البخاري ومسلم.

(7) رواه البخاري ومسلم.

(8) رواه البخاري ومسلم.

(9)  رواه مسلم.

(10)  رواه البخاري والترمذي واللفظ للبخاري.

(11) متفق عليه.

(12) رواه البخاري.

(13) رواه البزار، والطبراني عن أنس.

(14) رواه مسلم.