وجوب التعرف على رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم
وجوب التعرف على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم
14 ربيع الأول 1413 هـ 11 أيلول 1992 م
يقول الله تبارك وتعالى: { وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ} [الحجرات:7].
ويقول: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [المؤمنون69] إن حقاً على المكلفين أن يتعرفوا إلى هذا الرسول الكريم، من حيث شخصيته وأخلاقه، من حيث شمائله الحميدة وخصاله المجيدة، وذلك لعدة وجوه:
1- إن الله تعالى أمر العباد بالإيمان بهذا الرسول الكريم وقرن الإيمان به تعالى بالإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم فقال: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [التغابن:8] والإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم يتطلب التعرف إلى فضل هذا النبي الكريم، ورفعه مستواه على غيره، وما أدبه به ربه من الآداب الكريمة الرضية، وما وهبه من الخُلْق العظيم والخَلق الحسن الكريم، فجعله عالياً على سائر الأفراد والأجناس بحيث لا ينقاس بغيره من الناس. وكيف يقاس بغيره؟ وقد ميزه الله بمميزات الكمال، وخصه بأكرم الخصال، وجعله في قمة الخلق العظيم، والخَلق والإبداع القويم، وخصه بأنواع الاختصاص، فرباه بعنايته، ورعاه برعايته فقال: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى} [الضحى:6-8] وتولى الله تعالى تعليم نبيه وإقراءه في الوقت الذي نشأ فيه أميّاً فقال: له {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق:1] لا بعلمك ولا بدراستك ولا بذكائك ولا بمهارتك. وقال له: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} [النساء:113] وقد جاء في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم لما واصل الصيام، واصل بعض أصحابه معه، فنهاهم عن الوصال، فقالوا: نراك تواصل يارسول الله، فقال: "إني لست مثلكم" وفي رواية "إني ليت كهيئتكم، أبيت يطعمني ربي ويسقيني" فله صلى الله عليه وسلم شخصيته المميزة واختصاصه الغريبة، حيث أن الله قد هيأه وأهّله وأعدّه وأمدّه، يقول الله تعالى: {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام:124] صلى الله عليه وسلم ويقول: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة:105]الوجه الثاني من وجوه وجوب التعرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
2- إن الله تعالى أمر العباد باتباع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [آل عمران:31] فقد جعل الله تعالى الدليل الصادق على محبته هو اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وقال: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف:158] إلى مافيه سعادتكم في الدنيا ونجاتكم يوم القيامة.
وهذا الاتباع يتطلب البحث عن أعماله صلى الله عليه وسلم وعن أقواله وأحواله، وعن عباداته ومعاملاته، عن شمائله وأخلاقه، ليُتأسّ به، وليُتبع في ذلك اتباعاً كاملاً شاملاً إلا في بعض الخصوصيات.
ومن هنا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحرصون كل الحرص على تتبع أقواله وأفعاله، وأحواله وآدابه وأخلاقه ليتبعوه في ذلك. يقول العلامة السنوسي: وقد علم من دين الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ضرورة اتباعه صلى الله عليه وسلم من غير توقف، ولا نظر في جميع أقواله وأفعاله إلا ما قام عليه دليل اختصاصه به صلى الله عليه وسلم.
فقد خلعوا نعالهم كما خلع نعله صلى الله عليه وسلم.
ونزعوا خواتيمهم الذهبية لما نزع صلى الله عليه وسلم خاتم الذهب.
وحسر أبو بكر وعمر في قصة جلوسهما على البئر كما فعل صلى الله عليه وسلم.
وكاد يقتل بعضهم بعضاً من شدة الازدحام على الحلاق عندما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يحلق رأسه الشريف، وحلّ من عمرته في المدينة. وكان الصحبة الكرام يبحثون البحث العظيم عن هيئات جلوسه صلى الله عليه وسلم ونومه، وكيفية أكله وشربه، وغير ذلك ليقتدوا به .
3- إن من وجوه الأدلة على وجوب التعرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
أن الله تعالى أوجب على المؤمنين أن يحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق محبة الآباء والأبناء، والأهل والأزواج والعشيرة والتجارة والموال. وتوعد صلى الله عليه وسلم من تخلف عن ذلك بالعقاب الشديد والعذاب الأليم، يقول الله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:24] عن علي كرم الله وجهه، وقد سُئل كيف كان حبكم لرسول الله؟ فقال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وأبنائنا وأمهاتنا وأحب إلينا من الماء البارد على الظمأ".
وقد تمنى الصحابة الكرام في إظهار محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وضربوا أروع الأمثلة في كمال المحبة، (قصة زيد بن الدثنة) لما أخرجه المشركون من الحرم ليقتلوه بالتنعيم. قال له أبو سفيان وكان يوم ذاك مشركاً - أنشدك الله يا زيد: أتحب أن يكون محمداً الآن عندنا مكانك تضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ فقال له زيد: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة وأنا في أهلي، عندها قال أبو سفيان: والله ما رأيت أحدٌ يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً.