ضوابط اقتصادية (3)
ضوابط اقتصادية
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدي محمد رسول الله وعلى آله ومن والاه إلى يوم الدين ومن تبع هديه.
اللهم إنا نسألك أن ترزقنا الحلال وأن توفقنا للعمل بما يرضيك إنك على كل شيء قدير، أيها الأخوة:
في حديثنا عن المحرمات في الإنتاج، والمحرمات في الاستهلاك، والقيد الشرعي والقيد الاجتماعي بعدم الإضرار بالمصلحة.
نأخذ مثالاً: الخمر والخنزير.
هناك من يقول: إذا أنتج الشعير، فإن باعه علفاً للدواب فإن المال والمردود يكون أقل مما إذا باعه لمصنع يحوله إلى خمر وبيرة يستخدمها الناس، وهناك قصة يقال بأن مسجداً فيه وقف كرم من العنب، فجاء من يقول لإمام المسجد أو لناظر الوقف، كم يدر عليك كرم العنب من مال؟ فقال له: كذا وكذا، فقال له: ألا أدلك على عمل يدرّ عليك من كرم العنب أكثر فأكثر، قال: وما هو، قال: أن تقطر العنب ليصبح خمراً، والناس يشترون الخمر بمبالغ كبيرة، فيكون المردود لصالح المسجد أكثر، وهنا نقول: هل نبحث عن الكثرة أم نبحث عن الحلال والحرام.
إذا آمنا بالله رباً وبالقرآن كتاباً وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبياً ورسولاً، فإن لا ينبغي إلا أن نتقيد بما قيدنا به هذا الإسلام الذي سيمنحنا سعادة في الدنيا ويعطينا فلاحاً في الآخرة.
عندما حرم القرآن الخمر ذكر أشياء، من توقف عندها وجد أنها تصل إلى تسعة محذرات وتسعة نواهي، يقول بعض الناس ولكنه لم يقل الخمر حرام.
إن حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام"، أما الآية القرآنية فتعالوا لنقرأها بتأنٍ وهدوء ولنعد بأصابع يدينا ماذا أراد القرآن منا يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} ألست منهم، بلى أنا من المؤمنين إنشاء الله وكل السامعين كذلك {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ}، عدد أشياء فقال: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ} أول تحذير من الخمر أنه نجاسة، فهل يقبل إنسان أن يضع في فمه أو على بدنه نجاسة.
{مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} وليس من عمل الرحمان، فعمل الرحمان {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً} [المؤمنون: 51]، العنب، التفاح، القمح، الشعير، نستخدم كل المزروعات بما ينفع الإنسان، لا بما يلحق به ضرراً.
{فَاجْتَنِبُوهُ}: هناك من قال لأحدهم: معنى الاجتناب أن يضع على جنبه بطحة وعلى جنبه الآخر بطحة ثانية، قلنا: لا يا أخي، {فَاجْتَنِبُوهُ} أي: اجعل بينك وبين الخمر مسافة بعيدة، أنت تقول لولدك الصغير في فصل الشتاء: احذر واجتنب نار المدفأة، ابتعد عن التيار الكهربائي، فاجتنب هي أبلغ في التحريم من أن يقول: حرم الله الخمر.
إذاً: رِجْسٌ- مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ- فَاجْتَنِبُوهُ- لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، ومن منا لا يريد الفلاح، إذا كنا نسعى إلى الفلاح؛ فلنجتنب الخمر إنتاجاً واستهلاكاً وبيعاً وشراء ونظراً وقبولاً؛ {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
تتابع الآيات: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ} وليس الرحمان مرة أخرى، في البداية قال: {مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ}، وهنا يقول: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ} ماذا يريد الشيطان؟ {أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ}.
من يشرب الخمر يزول عقله فيعتدي على أعراض الناس، يعتدي على أموال الناس، لا يميز بين جارته وزوجته، لا يميز بين السماء والأرض ولا الطول من العرض، فيحدث هذا الخمر الذي هو رجس ونجس من عمل الشيطان، يحدث عداوة بين الناس، والقرآن الكريم يريد أن يكون الناس متحابين لا متعادين، {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء}، لأنه بعد الاعتداء سيكون حقد الآخرين كردة فعل على شارب الخمر، -هذا أخذ مالي، وذاك اعتدى على العرض وهذا وهذا-، فالعداوة ثم البغضاء في الخمر والميسر، هذه إرادة الشيطان، ثم تكمل الآية فتقول: {وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ} يكون شارب الخمر مشغول لا يتذكر ربه، ولو أنه كان من المؤمنين لابتعد واجتنب، {وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ}.
الخمر يبعدك عن ذكر الله، الخمر يبعدك عن الصلاة، {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}؟
هذا ليس سؤال استفهامي، أي نقول: نعم انتهينا أو لا لا ننتهي، القرآن الكريم لا يضع لنا سؤال في الامتحان، هل أنت ستنتهي عن الخمر؟ لا.
{فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} تحريض وتشجيع على أن نقول: انتهينا يا رب.
نعيد القراءة: {رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} [المائدة: 90-91].
ما أجمل أن نقرأ القرآن قراءة الحياة، قراءة التطبيق، قراءة البعد عن المحرمات في النشاط الاقتصادي، ولو كان إنتاج الخمر يعطينا مزيداً من المال، ولكنه حرمه القرآن بهذه الآيتين، وما حرمه الله نجتنبه ونبتعد عنه.
نسأل الله أن يبعدنا عن الحرام وأهله، وأن يجعلنا من أهل طاعته وتقواه إنه على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين.