دعوة للتأسي والاقتداء بشمائل النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم
دعوة للتأسي والاقتداء بشمائل النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأكمل التسليم على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته ومن تبع هداه إلى يوم الدين
أيها المستمعون الكرام، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
تحل بنا ذكرى المولد النبوي الشريف، والأمة الإسلامية تعيش إحدى أحلك فتراتها، مصداقاً مما حذر منه النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم أمته، بعد أن زاغت عن المحجة البيضاء؛ فتكالبت عليها الأمم؛ شرقية وغربية، واحتلت عقر دارها، ودنست مقدساتها، واستضعفت شعوبها، واستنزفت ثرواتها.
فهل تستفيق الأمة من سباتها ويؤوب الناس إلى رشدهم؟.
إن لنا في ذكرى مولد خير الأنام، عليه أفضل الصلاة والسلام، أعظم الدروس والعبر؛ إن نحن عقدنا العزم على الاقتداء بسيرته واتباع ما جاء به من نور وهداية.
قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} [الأحزاب:21].
وينبغي أن نذكر ابتداء: أن إحياء ذكرى مولد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ليس مجرد احتفال بـ (عيدٍ)، حتى يقال (ابتداع في الدين)؛ وإنما هي وقفة للتذكر والاعتبار، من أجل التأسي والاقتداء.
ويحسن بنا أن نَذكر بعض شمائله التي أوجبت له مدح البارئ عز وجل، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً} [الأحزاب: 45- 46].
وفي حديث أبي هالة في وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دائم الفكر.
ليست له راحة.
لا يتكلم في غير حاجة.
طويل السكوت.
يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه [أي: لسعة فمه. وكانت العرب تتمادح بهذا].
ويكمل:
ويتكلم بجوامع الكلم فضلاً، لا فضول فيه ولا تقصير.
دمثاً؛ ليس بالجافي ولا المَهِين.
يُعَظِّم النعمةَ وإن دَقَّت ـ قلت ـ.
لا يذم شيئاً.
لم يكن يذم ذَواقاً ـ طعاماً ـ، ولا يمدحه.
ولا يقام لغضبه إذا تُعرِّض للحق بشيء، حتى ينتصر له.
ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها.
إذا أشار أشارَ بكفه كلها، وإذا تَعَجب قَلَبها، وإذا تحدث اتصل بها، فضرب بإبهامه اليمنى راحته اليسرى.
وإذا غضب أعرض وأشاح [أي: مال وانقبض].
وإذا فرح غض طرفه.
جُلُّ ضَحِكِه التبسم، ويَفْتَرُّ عن مثل حب الغمام [أي: البَرَد].
يكمل ذاك الواصف لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
كان رسول الله يَخْزُن لسانَه إلا مما يعنيهم ـ أي الناس ـ ويؤلِّفهم ولا يفرقهم.
يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم.
ويَحْذَر الناس، ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد بِشْرَه وخُلُقه.
يتفقد أصحابه.
يسأل الناس عما في الناس.
يُحَسِّن الحَسَن ويصوبه.
يُقَبِّح القبيحَ ويُوْهِنه.
معتدلَ الأمر غيرَ مختلف.
لا يَغْفَل مخافةً أن يَغْفَل الناس أو يَمَلُّوا.
لكل حالٍ عنده عتاد.
لا يُقَصِّر عن الحق، ولا يجاوزه إلى غيره.
الذين يلونه من الناس: خيارهم، وأفضلهم عنده: أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة: أحسنهم مواساة ومؤازرة.
يتابع فيقول الواصف:
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن [أي لا يجعل لمصلاه موضعاً معلوماً]، وينهى عن إيطانها.
وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسُه أن أحداً أكرم عليه فيه.
من جالسه لحاجة صابره؛ حتى يكون هو المنصرفَ عنه.
من سأله حاجة لم يَرُدَّه إلا بها أو بميسور من القول.
وسع الناس بسطه وخُلُقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء، متقاربين متفاضلين فيه بالتقوى، صاروا عنده في الحق سواء.
مجلسه مجلس حلم وحياء، وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات.
يتعاطون فيه بالتقوى متواصين، يوقرون فيه الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة [أي يعينونه]، ويرحمون الغريب.
كان صلى الله عليه وآله وسلم دائم البشر، سهل الخُلُق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب ولا فحاش، ولا عيَّاب ولا مداح.
كان لا يذم أحداً، ولا يعيره.
لا يتكلم إلا فيما يُرْجى ثوابه.
إذا تكلم: أطرق جلساؤه؛ كأنما على رؤوسهم الطير.
وإذا تكلموا لا يتنازعون عنده الحديث.
مَن تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ.
يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه.
ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق، أي: في الكلام، ويقول: "إذا رأيتم صاحب الحجة يطلبها فأرفدوه، أي: ساعدوه.
ولا يطلب الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوَّزه، أي ينهيه، فيقطعه بانتهاء أو قيام.
وأما عن سكوته صلى الله عليه وآله وسلم فهو:
كان سكوته على أربع: على الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكر.
فأما تقديره ففي تسوية النظر، والاستماع بين الناس.
أما تفكره ففيما يبقى ويفنى.
وجُمِع له صلى الله عليه وآله وسلم الحِلْمُ في الصبر، فكان لا يغضبه شيء يستفزه.
وجُمِع له في الحذر أربع:
أَخْذُه بالحَسَن ليُقتدَى به.
وتَرْكُه القبيحَ لينتهى عنه.
واجتهادُ الرأي بما يُصْلِح أمته.
والقيامُ لهم بما جمع الله لهم أمر الدنيا والآخرة.
تلك ـ أيها المستمعون الكرام ـ بعض أوصافه صلى الله عليه وآله وسلم كما جاءت في الأثر، ونقلها خيار صحبه وآله الكرام البررة.
اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
والحمد لله رب العالمين