العوامل المؤدية إلى القتل
العوامل المؤدية إلى القتل
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، خالق الكون والحياة، والصلاة والسلام على سيدي محمد رسول الله، هادي البشرية، ومنقذ الإنسانية من الضلال إلى النور، بإذن ربه، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته، ومَن تبع هداه إلى يوم الدين.
أيها المستمعون الكرام: إن العوامل المؤدية إلى القتل - في أيامنا هذه- كثيرة، وإن مثيرات الفتن في هذه الأيام متعددة، وإن أسلحة إبليس في إذكاء نار الفتنة والزيادة في وَهْجِها لا تحصى.
وسأعرض بعضاً من هذه الأسباب:
أيها المستمعون الكرام:
من الأسباب التي توقع في سخط الرب سبحانه وتعالى، وتُهَوِّن قتل النفس: تربية بعض الآباء أبناءهم على الخصومات، واعتبارها ذلك من البطولات، وأن على الولد أن يأخذ حقه بيده قبل أن يأخذه له غيره، عندها تنتشر المضاربات، وتتحفز العداوات، وتتوطن من القلب الأحقاد، حتى تصل إلى القتل وإزهاق النفس المؤمنة، وربما على شيء أتفه من التافه.
ولعل مما يذكي نار الفتنة أن البعض يحمل في جيبه سكيناً صغيرة، ويسميها سكينة الأزمات ـ بل إنها سكين الويلات ـ وربما رأيت في سيارته أدوات حادة، أو عصياً، وربما في سيارته مسدساً، بل ربما يحمل كلاشنكوف.
لا لشيء، سوى أنه يبرز ذلك عند المضاربات والمخاصمات مع أحد أفراد مجتمعه، لينتصر على خصمه، والشيطان أحرص ما يكون في أن تشتعل نار الفتنة، وأن يشتد وَهْج العداوة حتى تَضغَطُ الأنملة على زناد الخسران والندامة، زناد سخط الله واللعنة، زناد الهوان والذل في الدنيا والآخرة.
إن الشيطان حريص أن تنطلق القذيفة تتعدى حدود الله لتردي مؤمناً قتيلاً، قتيلاً على الأرض فتزهق روحه، وعندها تُزهق حرمة القاتل، وتحل مكانها الندامة والخسران في الدنيا والآخرة.
أسأل:
أي بطولة هذه التي تُزْهَق النفوس فيها من أجل كلمات غير مسؤولة، من شخص لا يبالي بالعواقب؟.
أي بطولة هذه التي تُزهِق نفساً من أجل خصومة على مال؟.
أي بطولة هذه يستحق صاحبُها ـ بعدها ـ اللعنَ والطرد من رحمة الله، والعذاب الأليم؟.
بل أيُ بطولة هذه يكون فيها تعدي حدودِ الله فيستحق صاحبها ـ البطل في زعمه ـ يستحق ما قال القرآن الكريم: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء:93].
إنك ـ أيها المؤمن، أيها المستمع الكريم ـ أن تُضرَب، بل وتُكْسَر خير لك من أن يكون بجيبك سكين أو في سيارتك عصى أو سلاح؛ يُغويك الشيطان في استخدامها لإزهاق نفس ضارِبك.
نعم، إنه لخير لك أن تعود إلى أهلك مضروباً، هو أولى من أن تتلطخ يدك بدم مؤمن تستحق بعد ذلك قصاصاً في الدنيا وهواناً في الآخرة.
نعم، إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً".
نعم، أن تدافع عن عِرْضِك أمر مشروع.
أن تدافع عن نفسك أمر مشروع.
لكن أن تنساق مع عدوك الأول إبليس حتى تقع في مستنقع المعصية واللعن، ذلك هو الخطر الكبير.
فالمدافعة تكون بأيسر الوسائل، وترتفع هذه الوسائل بقدر الإمكان، ولكن لا تصل إلى حد القتل والاقتتال.
وإنها لبطولة حقاً أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب، قال صلى الله عليه وآله وسلم: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"، أي: فلا يعطي الشيطانَ عليه سبيلاً.
أيها المستمعون الكرام: لعلكم تتفقون معي في أن للأسرة وتربيتها سبب رئيس في كل ذلك، فإنك ـ أيها المستمع ـ تعلم علم اليقين عندما تشهد شاباً يظن البطولات في المضاربات والمخاصمات فيما بينه وبين أقرانه، كل ذلك تحت تشجيع الأسرة ورضاهاـ
أقول: تعلم يقيناً أن هذه الأسرة قد ضلت طريقها في إرشاد ذلك الشاب، ولسوف يندم الأب، وتندم الأم، والأسرة بأَسرها عندما يؤخذ الولد إلى ساحة القصاص ذليلاً كسيراً، يُدفَع إلى الموت دفعاً، في ذل وهوان، وصغار!!.
لِمَ؟.
من أجل بطولات زائفة؟ وعداوات باطلة؟ وسَقْط من متاع الدنيا الزائل؟.
أيها الأخوة والأحبة: لنزرع في قلوبنا، وفي قلوب أبنائنا: وجوبَ الانقياد لأمر الله، وتعظيمَ ما عظم الله، والوقوفَ عند حدود الله، فنعظِّم النفس التي حرم الله والتي هي أشد حرمة من حرمة بيت الله الحرام، ولنقف جميعاً عند أمر الله ونهيه؛ فلا نُزْهِق نفساً حرمها الله، ولا نتعدى حداً حَدَّه الله.
يجب أن نَعْلم ونعلِّم أنفسنا وأبناءنا: أن البطولات ليست في المضاربات والخصومات ولا في توجيه السلاح إلى المؤمنين، ولا إلى الأخوة في المجتمع من المواطنين، ولكن البطولات تكمن في الالتزام بأمر الله، والوقوف عند حدوده، ومقاتلة أعدائه من المحتلين.
في الحديث المتفق عليه أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "لَا ترْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْض".
أيها الأخوة: لنتأمل في حياتنا وما يجري فيها.
ولنقل كلمة (السلام) التي تعودنا بالقول والعمل والسلوك.
سلام من الله عليكم أيها الأخوة ورحمة من لدنه وبركات
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
والحمد لله رب لله رب العالمين