حرمة قتل النفس
حرمة قتل النفس
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدي محمد رسول الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته، ومَن تبع هداه، إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
أيها المستمعون الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
إن الإسلام قد حافظ على الكليات الخمس الضرورية، فهو الدين السماوي الذي جاء ليحفظ لكل إنسان دِينه، ونفسه، ونسله، وعقله، وماله.
ووضع هذا الشرعُ الحنيف من الحدود والقيود ما يُحَافَظ به على هذه الضروريات الخمس.
ففي سبيل حفظ النفس، ومن أجل الحفاظ عليها حرَّم الله قتل النفس المسلمة والمؤمنة بغير حق، وأمر بالقصاص في القتل، فقال تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تفلحون} [البقرة: 179].
فدم المؤمن حرام، وماله حرام، وعِرْضه حرام.
ولقد صان الإسلام دماء المؤمنين وأموالهم وأعراضهم، ولا يجوز استحلالها أبداً؛ إلا بنص قضائي قانوني، المستند في ذلك إلى الحكم الشرعي.
نعم.
لا يمكن أن يكون هذا الأمر بين الأفراد، ولا بين الجماعات، بل إن إقامة الحدود منوطة بالجهات القضائية.
أيها المستمعون الكرام:
إن قتل المؤمن من كبائر الذنوب، وإن القاتل معرض للوعيد، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن قتل النفس، إذ قال: {ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلا بالحق} [الإسراء: 33].
وحفاظاً على النفس المسلمة البريئة من إزهاقها، وقتلها بغير حق: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى عن الإشارة إلى مؤمن بسلاح؛ ولو كان مزاحاً.
لماذا؟.
سداً للذريعة، وحسماً لمادة الشر التي قد تفضي إلى القتل.
في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار"([1]).
وفي رواية، قال أبو القاسم صلى الله عليه وآله وسلم: "من أشار إلى أخيه بحديدة؛ فإن الملائكة تلعنه حتى ينزع، وإن كان أخاه لأبيه وأمه".
انظر وتأمل:
إذا كان مجرد الإشارة إلى مؤمن بالسلاح نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحذر منه أشد التحذير، ولو كان المشير بالسلاح مازحاً، ولو كان يمازح أخاه من أبيه وأمه؛ لأنه قد يقع المحذور، ولات حين مندم.
إذا كان الأمر كذلك.
فكيف بمَن يقتل الأنفس البريئة؟!!!.
كيف بمَن يروع المواطنين بتفجير المحلات والأسواق العامة؟!!!.
كيف بمَن يُفَجِّر بقرب المساجد ودور الأيتام؟!!!.
كيف بمَن يستهدف أرواح الأبرياء، فيقتل الأنفس؟!!.
يا لها من جريمة نكراء، ويا لها من بشاعة تقشعر منها الأبدان.
وهذا، إن دل على شيء عند القاتل فإنما يدل على مدى القسوة والغلظة التي تملأ قلبه، قال تعالى: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة}.
اعلموا أيها المستمعون الكرام: أن المؤمن دمه معصوم، وأن المؤمن ماله معصوم، ولا يجوز استباحة، لا دم ولا مال، بل لا يجوز الإشارة إلى المسلم بالسلاح؛ لأن الشيطان قد ينزع في يد القاتل فيقتل نفساً بغير حق، فيتحمل ـ ذاك القاتل ـ الوزرَ عند الله، والوبالَ والخسرانَ في الحياة الدنيا.
أيها المستمعون الكرام:
إن الإسلام قد أوجب الدية والكفارة على قاتل النفس خطأ.
لماذا؟!!!.
تعظيماً لحرمة النفس البشرية، ووضع لها القيود للحفاظ عليها، قال الله تعالى: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يَصَّدَّقوا، فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فَدِيَة مُسَلَّمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليماً حكيماً} [النساء: 92].
تأمل معي:
إذا كان الإسلام قد وضع هذه القيود على مَن قتل مؤمناً خطأ، فكيف بمَن يُزْهِق الأرواح البريئة متعمداً قتل الأنفس؟!!.
كيف بمن يزرع القنابل والألغام والمتفجرات، فيستهدف الأرواح البريئة، فيقتل العشرات، ويجرح المئات، ويروع الآلاف من المواطنين؟!!!.
كيف بمن يقتل الصغير والمرأة والشيخ العجوز من غير جريمة اقترفوها؟!!!، ومن غير جريرة فعلوها؟!!!، إنما إشباعاً لنزوات القاتل الشيطانية، ألم يعلم أن الله تعالى يقول: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}؟!!!.
والأعجب من ذلك أن ترى من لا ضمير له، ومن نُزِعت الرحمة من قلبه؛ يتبنى مثل هذه الأعمال الإجرامية والوحشية البشعة.
فيا أيها المؤمنون: اعلموا أن معركتنا الحقيقية مع الصهاينة المحتلين.
وأنت أيها الغيور على دينه: أَعِدَّ نفسك لقتال أعداء الله والإنسانية.
وإياك أن تجعل هدفك إخوانك في المجتمع الذي تعيش فيه، آمناً مطمئناً.
احذر أن تستبيح دماء أحد، أو مال أحد، وهو يشهد: أن لا اله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
احذر أن تسبيح دم مَن يصلي ويصوم ويحج؛ فذلك مما يبرأ منه الدين.
قال الله تعالى: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً} [الأحزاب: 58].
وأُذَكِّر نفسي وأُذَكِّر الناس أجمعين، بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"([2]).
اللهم اجعلنا من المؤمنين حق الإيمان، واجعلنا من المسلمين حق الإسلام.
واحقن دماءنا ودماء أبناء مجتعنا، يا أكرم الأكرمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.