التحذير الشديد من القتل
التحذير الشديد من القتل
القتل وهج الفتن، ووقود الدمار، ومعول الهدم
"لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا"
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن تبع هداه إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
أيها الأخوة المستمعون:
سلام من الله عليكم ورحمة من لدنه وبركات:
نتحدث اليوم عن أمر هام، بل أمر عظيم، عن جريمة شنعاء توجب اللعنة، وتطرد من الرحمة.
نتحدث عن جريمة بالرغم من عظمها إلا أنها تتوالى عبر العصور، وتتكرر بتكرر الأجيال.
والشيطان اللعين أشدُ ما يكون حرصاً عليها؛ لأنه يضمن بها اللعنة للقاتل، ويضمن بها سخط الله على القاتل، ويضمن بها غضب الله على القاتل.
جريمة... وأي جريمة، هي وهج الفتن، ووقود الدمار، ومعول الهدم.
نعم إنها جريمة القتل.
جريمة إزهاق النفس التي حرم الله، جريمة توجب سخط الله والنار، وتوجب العذاب الأليم.
أيها المستمعون الكرام: لبيان عظم هذه الجريمة وهولها؛ فقد قرن الله سبحانه وتعالى القتل بالشرك به، فقال: {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلهاً ءاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقّ} [الفرقان:68].
وقال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلَادَكُمْ مّنْ إمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقّ ذالِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام:151].
وفي الحديث المتفق عليه قال صلى الله عليه وآله وسلم: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَات".
وعند البخاري عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا".
وعند الترمذي والنسائي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بن العاص عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: "لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ".
أيها المستمعون الكرام: من أجل حرمة النفس وتحريمها رَتَّب الله على قتلها عقوبات في الآخرة وعقوبات في الدنيا.
أما عقوبات الآخرة، فقد قال عزَّ وجلَّ: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء:93].
انظر ـ رحمك الله ـ انظر إلى ما ينتظر القاتل من عذاب وعقوبة!!!.
أربع عقوبات عظيمة، كل واحدة منها تُوْجِل القلب، وتُفْزِع النفس، وتزلزل الكيان، وترعب الجنان.
العقوبة الأولى: جهنم، خالداً فيها ذاك القاتل، فيا ويله!!، ما أصبره على نار جهنم!!!، نار جهنم التي يستعيذ منها النبي الكريم الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ...
جهنم ...
ألا يعلم القاتل أي دار هي جهنم ...
ألا يعلم القاتل أي دار ستستقبله ...
إنها دار الذلِ والهوانِ، والعذابِ والخذلانِ، دارُ الشهيق والزفرات، والأنين والعبرات.
نعم ...
إن القاتل استحق سكنى دارٍ؛ أهلُها أهل البؤس والشقاء، والندامة والبكاء.
الأغلال تُجمع بين أيديهم وأعناقهم.
النار تُضطرم من تحتهم ومن فوقهم.
شرابهم من حميم يُصهر به ما في بطونهم والجلود.
أكلهم شجر الزقوم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم.
يدعون على أنفسهم بالموت فلا يُجابون.
ويسألون ربهم الخروج من جهنم فلا يُكلَمون.
كيف لو أبصرهم القاتل ـ الذي سعى لإزهاق نفس ـ كيف لو رأى الملائكة وهم يسحبون المجرمين في جهنم على وجوههم؟!!!.
أم كيف لو سمع القاتلُ صراخَ المعذبين في جهنم وعويلهم؟!!!.
لا شك: إن الذي يؤمن إيماناً كاملاً وحقيقياً بالله يبتعد عن هذه الجرائم، ألا وهي القتل.
العقوبة العظيمة الثانية التي تنتظر القاتل: هي غضب من الله ...
نعم، قال تعالى: {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ} وبئس ما حَصَّل لنفسه من غضب الرب العظيم عليه.
العقوبة الثالثة، ويا لها من عقوبة: ألا وهي اللعن، قال تعالى: {وَلَعَنَهُ}.
ألا يدري القاتل ما هو اللعن؟.
لعنه، أي: طرده الله وأبعده عن رحمته.
هل يكفيه هذا؟!!
هل تعتقدون أن هناك بعد هذا من عقاب؟!!!!.
نعم ...
إنها العقوبة الرابعة، قال تعالى: {وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}.
الله أكبر ... الله أكبر ...
ويل ... ثم ويل للقاتل المتعمد ...
ويل له من هذه العقوبات ... النار ... وغضب الجبار ... واللعنة ... والعذاب العظيم.
أيها المستمعون الكرام: اعلموا أن النفس البشرية أمرها عظيم، وأن سفك الدم جرم عظيم، ولذلك جعل الله للنفس البشرية الصدارة يوم القيامة في القضاء في الحقوق.
فكما للصلاة الصدارة في القضاء في أمور العبادة، فالدماء لها الصدارة يوم القيامة في القضاء في الحقوق.
قال صلى الله عليه وآله وسلم: "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء".
أيها المستمعون الكرام: إن مشاهد يوم القيامة مهولة مرعبة، وهاكم مشهداً مليئاً بالرعب والرهبة، مليئاً بالنكال وعلامات الخزي.
يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: سمعت نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "يأتي المقتول متعلقاً رأسه بإحدى يديه، متلبباً قاتله باليد الأخرى، تشخب أوداجه دماً، حتى يأتي به إلى العرش، فيقول المقتول: يا رب، هذا قتلني، فيقول للقاتل: تَعستَ - أي هلكت - ويُذْهَب به إلى النار"([1]).
وعند الترمذي أن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَال: "لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَأَهْلَ الْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُمْ اللَّهُ فِي النَّارِ".
كل ذلك لحرمة الدم.
أيها المستمعون الكرام، يا أهل العقول الرشيدة: ليس هذا كل شيء، وإنما مشاهد الخزي لم تنتهِ للقاتل، فكما أن الآخرة ينتظره فيها ما سمعتم.
فإنه في الدنيا ينتظره خسران وذل ... وحسرة وندامة، وذلك مصير من عصى ربه وتعدى حدوده.
إن عقوبة القاتل في الدنيا القصاص، قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حياةٌ يا أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:179].
النفس بالنفس جزاءً وفاقاً.
كما أعدم أخاه المؤمن وأفقده حياته فجزاؤه أن يُفعل به كما فعل.
ولقد جعل الله عزَّ وجلَّ لولي المقتول سلطاناً شرعياً بالقصاص، وسلطاناً قدرياً بأن الله سبحانه وتعالى يهيأ ظروفاً يقتل فيها أهل المقتول القاتلَ ذاته، فهذه الآية التي قال الله عزَّ وجلَّ فيها: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فّى الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء:33].
فهذه الآية كما تدل على أن الله جعل لولي المقتول سلطاناً شرعياً في قتل القاتل، قد يفهم منها أن الله عزَّ وجلَّ قد جعل لولي المقتول سلطاناً قدرياً بحيث يكون قادراً على إدراك القاتل وقتله فيهيئ الله من الأسباب ما يتمكن به من إدراك ذلك، والله على كل شيء قدير.
ولك أن تتصور ـ أخي المستمع ـ كيف هي ذلة القاتل، وهو يقاد إلى ساحة العدل والقصاص، كيف يكون هوانه وخزيه، وهو يُجَر إلى الموت جراً، يُجر لإزهاق روحه جزاء ما تعدى حدود الله، وأزهق أرواح المؤمنين.
لك أن تتصور كيف هي مشاعره، وكيف هي حاله؟!!!، وأظن أن هذا أمر يُحْزِن القلب ويدمي العين والفؤاد.
نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجنبنا وإياكم الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يبعدنا عن القتل، وأن يبعد أبنائنا وذريتنا عن ذلك، إنه جواد كريم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
والحمد لله رب العالمين.
([1] ) ورد ذكره في فتح الباري عند شرح حديث (أول ما يقضى بين الناس في الدماء).