قسوة القلب

قسوة القلب

1/5/1425هـ

{يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ} [النور: 44].

إلهي ليس يرد غضبك إلا حلمك، ولا يُنجي من عقابك إلا عفوك، ولا يُخلِّص منك إلا رحمتُك؛ فهب لنا فرجاً يحيي به ميت البلاد، وتنشر بها أرواح العباد، وتُنقذ بها الأهل والأولاد.

وبعد: فإن الناظر إلى الأمة مع كثرة عددها، وتعدد المنظمات التي تحاول جمع شملها ليعجب مما يصيب الأمة من ضعف وهوان، ذلة واستكانة، وما يجري لها من تغييب للهوية وإذابة للشخصية، وأقول من باب تشخيص العلة، أن السبب نابع من الداخل، وأن العلة منشؤها من الذات، فانظر إلى قلبك، وفكر في نفسك، وحاسبك نظرك.

فعدد غير قليل من المسلمين اليوم يشكون من قسوة القلب، المؤدية إلى ضعف الإيمان، وينتج عن ذلك بلاءات تصيب الأمة.

ألم يستعذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً من أربع: من عين لا تدمع، ومن نفس لا تشبع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يُسمع، وهاهم المسلمون اليوم يعيشون في هذه الأربع.

فالنفس غارقة في الشهوات ومسترسلة في الملذات، تطلب المزيد، في الدنيا طماعة، وعن الخير مناعة، وعن الآخرة معرضة، وعن الطاعات مُبعِدة.

والعين لا تعرف من حياتها إلا متعة النظر إلى الجمال، جون تفرقة بين حرام وحلال، ومَن أطلق لعينيه العنان حُرم من النظر في الآخرة إلى جمال الجِنان، وإلى الحور الحسان.

أما الدعاء فكم يدعو المسلمون ربهم، ولا يستجيب لهم، ألعجز في العطاء الرباني؟، حاش وكلا، بل لنقص في أسباب استجابة الدعاء.

وأما القلب، وما أدراك ما القلب؟، فسنتحدث عنه مفصلاً ومطولاً، فالقلب موضع نظر الرب، وميزان معرفة مكانتك، ومعيار التعرف إلى منـزلتك، وقد قالوا: إذا أردت أن تعرف منـزلتك عند الله فانظر إلى منـزلة الله في قلبك.

وما سمي القلب قلباً إلا لتقلبه، فالقلوب تعتريها التقلبات، وتعصف بها الأعاصير، فتحيا وتموت، وتصح وتمرض، وتلين وتقسو؛ بعيداً عن حركة الجسد ومنفصلة عن تقلبات الجسم، لأن كل الأعراض التي تصيب القلب قد تمر كلها على الإنسان وهو على قيد الحياة، فطوبى لِمَن استمرت له حياة القلب مع حياة الجسد، وصحة القلب مع سلامة الجسم، ولين القلب مع طراوة البدن.

وحياة القلب وصحته ولينه، هو المعوَّل عليه، أما الجسد فمصيره إلى القبر والدود، والقلب يبقى ليدخل صاحبه جنات الخلود، أو يورد صاحبه جهنم وبئس الورد المورود.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".

اللهم أصلح قلوبنا بأنوار معرفتك يا الله، ونور قلوبنا بأسرار طاعتك يا الله، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، أي لا تجعلها تميل عن الحق والهدى، وتتبع سبيل الهلاك والردى، لأن الذين في قلوبهم زيغ ميل وانحراف عن الحق إلى الأهواء والشهوات فيتبعون ما تشابه من آيات القرآن ابتغاء الفتنة، ويعرضون عن الصواب ويتجنبون العمل بالمحكم من آياته.

أحبتي في الله: يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال:24].

فمع أن المسلمين على قيد الحياة، والمؤمنون في دنياهم وهم مكلفون فإن الله قد طلب منهم أن يستجيبوا لنداءات الله، ولدعوات القرآن؛ لأن في هذه الاستجابات حياة لقلوبهم، وانتعاشاً لأرواحهم، وتفاؤلاً في دنياهم، وعيشة أبدية في نعيم سرمدي مقيم في آخرتهم.

والله تبارك وتعالى مقلب القلوب ومصرفها، كما في الحديث: "إن قلوب بني آدم كلَّها: بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء"، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك". [رواه مسلم].

فاسأل المسلمين اليوم؛ رجالا ونساء، كهولاً وولدانا، شباباً وفتيات، هل صرف قلبهم إلى الطاعة أم عن الطاعة، هل كانت وجهة قلبهم نحو الخيرات أم نحو الشهوات، كم مرر عليهم الشيطان كيده، وزين لهم التسويف، والتأجيل، وجعلهم يُقْسِمون ويحلفون بالله أغلظ الأيمان أنهم سيتوبون، متى؟، غداً، أو بعد غدٍ، إذا جاءتهم آية، إذا نجحوا في امتحاناتهم، إذا تزوج الواحد منهم، إذا رزق مولوداً، إذا حصل على عمل، إذا تعين في وظيفة إذا ترقى في رتبته، إذا شافاه الله، إذا وإذا وإذا.

قال تعالى: {وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ، وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام:109]، أي في فسادهم وضلالهم يترددون.

عباد الله: ألم يحن الوقت للتوبة، ألم يأت زمان الإنابة، قال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد:16].

كان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.

وحيث {أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال:24]، وأنه لن ينجو يوم القيامة {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:89]، وأن الويل {لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر:22]، وأن الوعد بالجنة لـ {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} [ق:33]: كان لا بد للمؤمن أن يتحسس قلبه، ويعرف مكمن الداء وموضع المرض وسبب العلة، ويشرع بالعلاج قبل أن يطغى الران على القلب فيهلك.

فإن الله قد حذرنا من القلب القاسي، قال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة:74].

إذا كانت قلوب بني إسرائيل قد قست بعد رؤية معجزة إحياء إنسان بضربه ببعض بقرة مذبوحة، فإن قلوب بعض المسلمين قد قست بعد رؤية مشاهد إماتة المسلمين، وتدمير بلادهم: فاستمروا في ضلالهم يعمهون.

ومن العجب أن لا تلين قلوب المسلمين وهم يرون كيف يُتخطَّف المسلمون من حولهم، هدم بيوت بالعشرات، وموت إناس بالمئات، ونهب لأموال المسلمين بالمليارات.

فإذا استحكم المرض بالقلب، وأحكمت الظلمة على الفؤاد: كان الختم على القلب والعياذ بالله، فلا يعود يتذكر إذا ذُكِّر، ولا يقبل إذا نُصح، فكان قلبه أقسى من الحجارة؛ لأن من الحجارة أنواع صخور يتفجر منها أنهار يستفيد منها خلق كثير، وينابيع ينتفع بها الناس، وإن من الحجارة لما يهبط من خشية الله، وقلوب بعض الناس يزيدها سماع آيات من القرآن عناداً على معاصيهم، وزيادة في شرورهم وآثامهم، وصلفاً في تصرفاتهم، وعلواً في تعاملهم، واستكباراً على مَن حولهم.

حذرنا الله من القلب القاسي، إذ يقول: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ، فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ، فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} [الأنعام:42-43-44].

يبتلي الله عباده بالبأساء والفقر والشدة، ويبتليهم بالضراء والسُقم والمرض لعلهم يتضرعون إليه ويتذللون بين يديه، ويخشعون بقلوبهم لربهم، تائبين نوبة نصوحاً دائمة، منيبين إليه مستغيثين به.

فالابتلاءات داخلية ذاتية وخارجية غيرية، في بيتك وأسرتك، في بلدك ومجتمعك، وعلى مستوى الأمة كلها، اختبارات من الله لعلهم يتضرعون، فهل تضرع المسلمون عند البأساء والضراء، أم ازدادوا فسقاً وفجوراً، وعناداً على الباطل واستكباراً على الحق.

أيليق بأمة تذبح أن تبقى حفلات رقصها مستمرة،

أيليق أن يموت الإحساس لدى بعض الناس ويبقى مصراً على المعاصي والمنكرات، والفجور والسيئات؟.

قال رسول الله : "إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج، ثم تلا قوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُواْ......} [الأنعام:44]".

حذرنا الله من القلب القاس؛ فصاحبه لا تؤثر فيه موعظة الموت، ولا رؤية الأموات، ولا الجنائز، وربنا حمل الجنازة بنفسه، وربما واراها التراب بيديه، ولكن سيره بين القبور كسيره بين الآثار والأحجار، ورؤيته لموت البشر، لا يحرك فيه أي مشاعر ولا يتأثر بها أيما أثر.

{اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ، مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء:1-2].

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، ونبهني الله وإياكم من نومة الغافلين، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

جميع الحقوق محفوظة © 2007 - 2012 موقع الدكتور علاء الدين زعتري
تنفيذ مزود خدمة الانترنت سوا